فهرس الكتاب

الصفحة 376 من 2735

إذن فلابدّ من عرض ما يتحصل عليه الدارس للسيرة -إذا لم يكن طالب علم ولم يكن عالما- يعرضه على أهل العلم هل ما استنتجه صحيح أم لا؟ هل العلم يوافق هذا الاستنتاج أم لا؟ سواء كان في مسائل العقيدة، أم في مسائل السنة والبدعة، أم في مسائل الحديث الصحيح والضعيف، أم في مسائل الفقه والأحكام، أم في مسائل الدعوة؛ لأننا لن نُقيم الدين ولن نقوم بقوة في الدعوة إلاّ بعد أنْ نُصَفِّيَ منهجنا في الأخذ والاستدلال، فإذا كان المنهج في المرجعية والأخذ والاستدلال واضحا قويا واجتمعت الأمة واجتمع الدعاة واجتمع المهتمون بالإسلام والداعون إليه على نهج سواء وسط واضح؛ لأنّ المصادر وكلام المحققين من أهل العلم واحد في ذلك لا يختلف؛ يعني في أصول هذه الشريعة وأصول الأدلة في العقائد وفي الأحكام وفي الدروس والعبر والعظات.

إذا تبين لك ذلك فأَغْرَبُ منه أنْ نجد أنّ بعض المناوئين للشريعة وأعداء الملة والدين من العلمانيّن ومن الاشتراكيّين وأشباه هؤلاء وجدوا في بعض نصوص السيرة ما يستدلون به على نحلهم وما يؤيد ما ذهبوا إليه:

فأهل الاشتراكية استدلوا على اشتراكيتهم بإباحة المال للجميع، وحتى إباحة النساء للجميع، بقصة مؤاخاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار، حتى إنّ الرجل كان يرث أخاه لا من النسب ولكن الذي آخاه النبي - صلى الله عليه وسلم - معه في الدين فورث بعضهم من بعض حتى نزل قول الله جلّ وعلا ?وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ? (1) فاستدلوا على اشتراكهم في المال، وعلى تنازل بعضهم عن زوجته لأخيه لو رغب، بأنّ هذا أصل من أصول الاشتراكية التي دعا إليها النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستدل بعضهم بوجود اشتراك النساء في الحرب مع الصحابة من جهة التمريض أو جلب الماء أو نحو ذلك، بأنّ هذا أصل بالقول بجواز الاختلاط المحرّم، وأنّ المرأة تعمل مع الرجل في أي ميدان لا بأس بذلك في ميدان الطب أو التمريض أو في غير ذلك، وجدوا في بعض الحوادث مدخلا لهذا، وكلٌّ أخذ بحادث وتفقه فيه وأصبح فقيها وإنْ كان ليس له من تحقيق الإسلام نصيب.

إذن السيرة هي قصص وأخبار وحكايات فلا يسوغ الاستدلال بما جاء فيها مطلقا حتى يكون ذلك الدليل صحيحا من جهة ثبوته، ثم يُنظر في وجه الاستدلال.

(1) الأنفال:75، الأحزاب:6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت