فهرس الكتاب
تنبني لنا مسألة كلية أخرى في بحثك إذا أراد أن يبحث مثلا اللغة، كتب اللغة معلوم أن بعضها ينقل عن بعض، بعضها مختصر لبعض، وبعضها يجمع كتبا متعددة، فمثلا يأتي طالب العلم -مثل ما نشوف في كتب ورسائل إلى آخره- يقول مثلا قال في لسان العرب كذا، وقال الجوهري في صحاح اللغة كذا؛ يعني جاب نفس العبارة في اللسان كذا وفي الصحاح العربية، طبعا صاحب الصحاح متقدم في القرن الرابع الهجري وصاحب اللسان متأخِّر صاحب اللسان جمع خمسة كتب ابن منظور ليس له كلام في لسان العرب، ولذلك يأتي طالب العلم ويقول قال ابن منظور في لسان العرب كذا، هذا كلام لا معنى له، هذا الكلام لا معنى له للعلم الذين يفهمون اللغة، أن يقول قال ابن منظور في لسان العرب معنى كذا هو كذا هذا ليس له مانع لماذا؟ لأن ابن منظور ذكر في مقدمته....خمسة كتب أو ستة فرتبها في هذا الكتاب فلم يؤلف تأليفا مستقلا خلافا لفيروز آبادي في القاموس المحيط الذي جمع كتبا لكن صاغها بصياغته وثَم أشياء تفرد فيها ورد فيها على من سبقه ورد عليه واستدرك وأُستدرك عليه إلى غير ذلك مما هو معروف.
إذن طالب العلم مثلا يعرف تسلسل كتب اللغة والكتاب الذي دخل في غيره والكتاب الذي استقل به صاحبه، يعرف من أين أُستقي ذلك حتى يكون دقيقا، هذا لا يتأتى لك إلا بمعرفة مدارس اللغة وكيف نشأت الكتب وصنفت وأشباه ذلك، منزلة كتب اللغة؛ هل كل كتاب لغة معتمد؟ لا، هل إذا قال فلان وقال صاحب الكتاب الفلاني يعني انتهى في المسألة؟ لا، لأن صاحب اللغة أيضا يحتاج إلى دليل له يدل على أن ما نقله صواب، وإلا فيكون الاحتجاج غير مستقيم.
خذ مثلا الجوهري في كتابه صحاح اللغة العربية ذكر أنه ألَّف كتابه هذا بعد أن مكث في البادية نحو من أربعين يتلقف اللغة، فهو كتب على أن كل كلمة أوردها في كتابه معناه أنه سمعها من العرب الأقحاح بعد أن خالطهم في البوادي.
هل يعني ذلك أن العرب لم يدخل إليهم اللحن البتة؟ هذا واحد.
الثاني هل يعني كلامه هذا أنه ليس ثم مادة أوردها إلا وهي مسموعة له من كلام العرب؟
ولذلك جاءنا كتاب الجوهري وهو معروف سماه الصحاح وهو عند أهل اللغة بمنزلة كتب الصحاح في الحديث؛ لكن ثم فيه أشياء لا مستند لها عند الباحث اللغوي الصحيح، وثَم مسألة من مسائل العقيدة المشهورة عندكم هي مسألة الاستواء المعروفة قال استوى بمعنى استولى، قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق