المتبصر باللغة يكون نظره واسعا عن من لم يكن متبصرا باللغة.
الفقيه يكون نظره أوسع من المتفقه الذي عرف مسألة، مسألتين، عشرة، مائة، يظن أنها هكذا؛ لكن ذاك يأتي في مسألة واسعة عنده؛ يعني واسعة النظر، فيقارن بين هذه وهذه، يجمع بين هذه وهذه، ويفرق، يأخذ بالقواعد وإلى آخره.
يعني أن صاحب الاختصاص يتسع أفقه في النظر إلى شيء، في النظر إلى مسألة، بحيث إنه عند غيره لا يخطر له على بال أن تكون المسألة بهذه السعة كلها.
ولهذا طالب العلم في العموم يكون دقيقا في تعبيره عن العلم، هذه دائما أوصيكم بها: أن تكون في تعبيرك عن العلم دقيقا، وأن لا تعبر عن العلم بما تحسه من نفسك، حتى تكون عندك عليه حجة، ودائما تنظر إلى المطلقات العامة حتى يسع كلامك الزمان الذي أنت فيه والزمان الذي يأتي، لا تخصص شيئا بغير تخصيص جازم له، تقول هذا هو كذا، لا في المكتشفات ولا في الأمور العادية، يكون المرء أوسع، فلا يتكلم بشيء إلا بحجة واضحة، لا يقيد حتى يأتيه حجة في التقييد؛ لأن المؤمن بل لأنّ طالب العلم أو العالم ربما أُخذ كلامه على أنه حجة للشريعة أو على الشريعة، فقد يقال: هذا شوف كلامه. مثل ما قيل في أزمنة مضت بعيدة وقريبة في أشياء كثيرة.
فطالب العلم دائما ينظر إلى الأمور المطلقة من حيث هي، سواء في الصفات التي يعرفها أو في الصفات التي لا يعرفها، ينظر لها مطلقة، ثم بعد ذلك ينزل منها تخصيص، ويفهم أن هذا التخصيص لا يعارض الإطلاق؛ بل هو بعضه (1) ، فيقيد في كلامه يعرف أنه ما تجاوز القدر العلمي الحق في نفسه؛ لأنك إذا كنت متجردا لم يصاحبك في نظرك إلى العلم هوى أو عجلة فإنك تصيب، أما إذا صاحبك في نظرك للعلم هوى أو تعجُّل فإنك تخطئ العلم ولا بد، سواء من ذلك المسائل النظرية أو المسائل العملية.
فينتبه طالب العلم لهذا دائما في أن يكون نظره وأفقه واسعا في النظر للمسائل العلمية والمسائل العملية، ولا يحكم إلا بشيء إلا بحجة.
ولهذا يكثر من الأئمة تكثر الوصية بالاحتجاج بالكتاب والسنة والرجوع إلى القرآن والسنة فهو من الحق المطلق الذي لا يخطئ من استدل به؛ لأن فيها الحق الذي هو الحق، أما إذا أتى نظر الناس وعقل الناس إذا كان مستقلا فإنه لابد أن يخطئ، وإذا كان راجعا للكتاب والسنة بتعميمه فإنه يصيب في ذلك.
(1) انتهى الشريط التاسع.