فدخلت التعاريف فأفسدتها، ولذلك أجمع أهل البلاغة على أن بلاغة أبي القاسم، وعلى أن بلاغة من تقدم مثل العسكري في الصناعتين، والجاحظ وأشباه هؤلاء ومن لم يدخلوا في التعاريف هذه الصناعية، لا شك أنها هي الأولى لأن المتأخرين انصرفوا عن المعاني إلى قوانين فأفسدت الفن.
وهذه لها أمثلة كثيرة:
حتى في مصطلح الحديث: مصطلح الحديث أيضا تجد أن من تعلق بألفاظ المتأخرين في التعريفات لم يطبق عليها أقوال المتقدمين مائة في المائة،... ما يخالفها.
حتى في اللغة العربية: التعريفات أنظر إلى تعريف نائب الفاعل، نفس تقسيم الفعل إلى ماضي وأمر ومضارع إلى آخره، هذا يسبب إشكال، فيه إشكال معروف في موضعه أيضا، قول هذا نعت وهذا صفة، النعت عندهم غير الصفة.
النعت عندهم الذي هو من التوابع.
والصفة ما كانت راجعة إلى المبنى، مثل اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة لاسم الفاعل، هذه الثلاث فقط التي يطلق عليها صفة.
النعت عندهم..؛ لكن في اللغة عندنا وصف الله جل وعلا هو نعته سبحانه، نعت الله هو وصفه.
مثلا عندك في (مَنْ) ترجع لكتب اللغة جميعا تقول (مَن) اسم موصول لمن يعقل أو للعاقل، و (مَا) اسم موصول لغير العاقل، وهذا باطل؛ لأن هذا التعريف يدرج عليه الجميع، فالله جل وعلا يعبر عنه بـ (من) ويعبر عنه بـ (ما) ، فمن يقال أنها للعاقل والله ليس في صفاته عاقل ولهذا صار (من) : اسم لمن يعلم لا لمن يعقل.
هذا لو ندخل في الفنون كلها سنجد خلطا كبيرا؛ خلطا في الفنون بعد زمان السلف، وهذا يُعلم بعد التحقيق والنظر ومعرفة كيف مشى كل علم؟ كيف توسعت مؤلفاته؟ وكيف تحرك وتحرك أهله وكيف بنى المتأخر على قول من تقدمه؟ ثم يكون من تقدم أحسن التصنيف فأعتمد فصارت مدرسة كبيرة، قد يُنظر إلى من يرجع الناس في المدرسة إلى طريقة الأولين قبل حدوث هذه المدارس أنه ينهى عن العلم إلى آخره.
وهذا يطول الكلام عليه؛ لكن ينبغي لطالب العلم أن يكون عنده بعد نظره في العلوم وفهمه للعلوم -سواء العلوم المساعدة الصناعية الأصول أو مصطلح أو لغة إلى آخره- أن يتعدى بعد فهمها أو إحكامها على طريقة المتأخرين، أن يتعدى اصطلاحاتهم إلى الزمن الأول.