( والأمر النفسي الثاني المهم أيضا: أنه حين يتلقى العلم يتلقى وهو واثق من علم المعلم؛ يعني أن يكون في نفسه أن الأصل في المعلم أنه يعلم على الصواب، فإذا دخل وفي نفسه أن المعلم يعلم غلطا أو أن معلوماته مشوشة، أو أنه كذا وكذا مما يضعفه في العلم، فإنه لن يستفيد من ذلك؛ لأنه إذا استمع سيستمع بنفس المُعارض، فسيأتي إذا قال كلمة أخذ يفكر بعدها نصف دقيقة أو دقيقة فيما قال، قال: هذا صحيح وفي اطلاعاته، وقد اطلع كذا وكذا مما يعارض كلام المعلم، ثم في هذه الدقيقة(1) يكون المعلم قد أتى بشيء آخر، فإذا انتهى هذا من تفسيره سمع جملة أخرى فتكون مشوشة أيضا، فيدخل في اعتراضات وهذا يحرم المستمع العلم.
وإذا كان عند طالب العلم فيما يسمع إشكالات أو إيرادات فيكون عنده ورقة أو كراسة بين يديه يكتب الإشكال ثم لا يفكر فيه وهو يستمع العلم، يكتب بحث هذه المسألة، المسألة كذا وكذا، ثم بعد ذلك إذا فرغ من هذا الدرس يذهب هو ذلك اليوم أو بعده يذهب ويبحث هذه المسألة أو يسأل عنها.
ومن المعلوم أنه ليس من شرط المعلم أن يكون محققا، وليس من شرط المعلم أن يكون مصيبا دائما، فقد يكون له اختيارات أو آراء تخالف المشهور، أو يكون له توجيهات غلط فيها؛ لكن الشأن أن يكون المعلم مشهودا له بالعلم، مؤصلا في العلم، يعرف ما يتكلم به، فإذا عرف ما يتكلم به وعرف أقوال الناس وعلّم العلم، فإنه قد يكون عنده غفلة في مسألة أو في حكم أو نحو ذلك، فيغلَط مرة أو يغلط في تصورٍ ونحو ذلك، ليس بالعجيب؛ لأن المعلم بشر والبشر خطَّاءون.
إذن المهم أن تتلقى العلم ممن وثقت بعلمه وأنت في نفسية غير معارضة، وهذا يحرم كثيرين علما واسعا؛ حيث إنهم يتلقون العلم بنفسية السؤال بنفسية من يستشكل، ولهذا من أكثر السؤال في حلقات العلم لا يكون مجيدا.
وقد حضرتُ مرة عند الشيخ عبد الرزاق عفيفي العلامة المعروف رحمه الله تعالى، وكان عنده من يسأله عن المسائل في الحج، فإذا أتى مستفتٍ يستفتي فيأتي هذا السائل ويقول له: فإن كان كذا. يحاول تعلم العلم بطرح مسائل أخر غير المسألة التي استفتى فيها السائل، فقال له الشيخ رحمه الله: العلم لا يؤتى هكذا، وإنما يؤتى العلم بدراسته.
(1) انتهى الوجه الأول من الشريط الثالث.