قال (وفي صحيح البخاري: قال علي:حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله؟!) هذا فيه دليل على أن بعض العلم لا يصلح لكل أحد، فإن من العلم ما هو خاص ولو كان نافعا في نفسه ومن أمور التوحيد؛ لكن ربما لم يعرفه كثير من الناس، وهذا من مثل بعض أفراد توحيد الأسماء والصفات، من مثل بعض مباحث الأسماء و الصفات، وذكر بعض الصفات لله جل وعلا فإنها لا تناسب كل أحد، حتى إنّ بعض المتجهين إلى العلم قد لا تطرح عليهم بعض المسائل الدقيقة في الأسماء والصفات؛ ولكن يؤمرون بالإيمان بذلك إجمالا، والإيمان بالمعروف والمعلوم المشتهر في الكتاب و السنة، أما دقائق البحث في الأسماء والصفات فإنما هي للخاصة ولا تناسب العامة ولا تناسب المبتدئين في طلب العلم؛ لأن منها ما يشكل ومنها ما قد يؤول بقائله إلى أن يكذب الله ورسوله كما قال هنا علي - رضي الله عنه - (حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله) .
فمناسبة هذا الأثر بهذا الباب أن من أسباب جحد الأسماء والصفات أن يحدث المرء الناس بما لا يعقلونه من الأسماء والصفات، الناس عندهم إيمان إجمالي بالأسماء والصفات يصح معه توحيدهم وإيمانهم وإسلامهم، فالدخول في تفاصيل ذلك غير مناسب، إلا إذا كان المخلص يعقل ذلك ويعيه، وهذا ليست بحالة أكثر الناس.
ولهذا الإمام مالك رحمه الله لما حُدِّث عنده بحديث الصورة فنهي المتحدث بذلك؛ لأن العامة لا يحسنون فهم مثل هذه المباحث، وهكذا في بعض المسائل في الأسماء و الصفات لا تناسب العامة، فقد يكون سبب الجحد أن حدثت من لا يعقل البحث فيؤول به ذلك -وهو أن البحث فوق عقله، وفوق مستواه، وفوق ما تقدمه من العلم- أن يؤدى به ذلك إلى أن يجحد شيئا من العلم بالله جل وعلا، أو أن يجحد شيئا من الأسماء و الصفات.
فالواجب على المسلم وخاصة طالب العلم أن لا يجعل الناس يكذبون شيئا مما قاله الله جل وعلا أو أخبر به رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ووسيلة ذلك التكذيب أن يحدِّث الناس بما لا يعرفون، يحدث الناس بحديث لا يبلغه عقولهم، كما جاء في الحديث الآخر «ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا إذا كان لبعضهم فتنة» ، وقد بوب على ذلك البخاري في الصحيح في كتاب العلم لقوله: باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقفوا فيما أشد منه.