فهرس الكتاب

الصفحة 469 من 2735

لاحظ أنَّ هذه هي التي عناها أهل العلم بالأثر وأهل الحديث بالذم؛ إيّاكم وكتب الرأي، إياكم وأهل الرأي فإنهم أعيتهم الآثار أن يحملوها فذهبوا إلى الرأي ونحو ذلك، لأنهم يستدلون بالقياس وبالقواعد، ويقدمونها على الآثار، وهذا لا شك أنه ليس بطريق سويّ، ذلك لأنّ:

أولًا من حيث التأصيل: أولئك جعلوا القياس أصحّ من الحديث، ويقولون القياس دليله قطعي، القاعدة دليلها قطعي، طبعًا القياس حينما نقوله هو أعم من خصوص ما عليه الاصطلاح الأخير، يعنى بالقياس ما يدخل فيه تحقيق المناط، يعني القواعد التي تدخل في العبادات والمعاملات، فيستدلون بأدلة قطعية على القواعد، فإذا أتى دليل يخالف القاعدة يقولون هذا آحاد، حديث آحاد فلا نقدمه على الأقيسة، يقدمون مثلًا القياس على الحديث المرسل، يقدمون القياس على الحديث المتصل إذا كان لا يوافق القواعد، وهكذا، فظهر عندهم خلاف للآثار، وهذا الذي عناه السلف بذلك، وهم لهم أصولهم، فالحنفية مثلًا عندهم أصول الفقه التي تخالف أصول أئمة الفقه الذين هم من أهل الحديث مالك والشافعي وأحمد رضي الله عنهم أجمعين في أنحاء كثيرة؛ في أبواب كثيرة.

مثلًا عندهم أنّ العام أقوى من الخاص، فعندهم أنّ دلالة العام على أفراده قطعية إذا كان الدليل قطعيًا. وأما دلالة الخاص على ما اشتمل عليه من الفرد يعني من المسألة الخاصة فهذه دلالتها ظنية، فيجعلون العام مقدمًا على الخاص، ولا يحكمون للخاص على العام، وهكذا في التقييد والإطلاق هكذا في مسائل شتى.

مثلًا عندهم الحديث المرسل مقدم على المسند فالحديث المرسل مثلًا عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا، عن إبراهيم النخعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا، وهكذا المراسيل عامة كمراسيل أبي العالية ونحوهم من كبار التابعين وغيرهم، يعتبرون أن هذه المراسيل أقوى من الأحاديث المسندة، فإذا أتى حديث مرسل وحديث متصل في المسألة نفسها، أخذوا بالحديث المرسل وتركوا الحديث المسند المتصل؛ لأصولهم لدلالة عقلية عندهم على ذلك.

وهذا طبعًا أنتج أقوالًا أكثر من الأقوال التي كانت موجودة في زمن الصحابة والتابعين، فصار عندنا تفريعات كثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت