لا شك أنه في هذا الجيل أيضًا -يعني في القرن هذا؛ القرن العشرين أو القرن الرابع عشر الهجري الذي سلف- لا شكّ أنه ظهرت مشاكل متعددة في المسلمين؛ مشاكل ثقافية ومشاكل إعلامية، مشاكل من جهة الالتزام بالدين والقناعة به، مشاكل اقتصادية، شبهات تتعلق بالسياسة، شبهات تتعلق بالاقتصاد، شبهات تتعلق بتاريخ الإسلام، شبهات تتعلق بموقف علماء الإسلام، شبهات تتعلق بالنصوص، وما مدى العمل بالنص، والقواعد وما مدى العمل بالقواعد وأصول الفقه، إلى آخر تلك المسائل.
فظهرت مشاكل وشبهات في هذه الأمور فظهر أولئك المفكرون ليدلوا بدلوهم في بيان حقيقة ما عليه الأمة في هذه العلوم وذلك المضمار، فظهرت كتابات متنوعة.
لا شك أن تلك الكتابات التي ظهرت تتطلب علمًا، تتطلب معرفة، تتطلب ثقافة، والجميع لو اجتمع لحصلت نتائج سليمة؛ لكن خاض غَمْرَةَ ذلك لقصد نصرة الإسلام ولبيان حقائقه خاض غمرة ذلك من ليس عنده إلاَّ الثقافة أو عنده بعض المعلومات التاريخية أو عنده بعض الإطلاع العام، ولكن ليس عنده علم، فظهر في كلامهم صواب، وظهر في كلامهم خطأ كثير، فمزجوا الصواب بالخطأ، وسبب ذلك الفكر كما سيأتي إيضاح ذلك.
أيضًا لما ظهرت تلك المدارس المختلفة الفكرية؛ يعني من وجهات النظر المختلفة في علاج مشاكل المسلمين وفي الرد على الأعداء، لا شك أنه سيحصل نوع من التحزّب، نوع من الرجوع إلى أولئك المفكرين، فكل من أُعجب بفكرة عالم، كل من أعجب بفكرة مثقف فإنه ستكون التبعية لذاك، فظهر بعد ذلك مفكرون تبعوا المفكرين الأصليين، أو ظهر فكر يتبع أساسيات تلك الأفكار، حتَّى توسعت الشُّقَّة وحتَّى ابتعدَ طرفا الطريق فتوسع جدًا وكثرت الطرق لأجل كثرة أفكار الذين ابتدأوا بذلك الفكر.
فننظر مثلًا إلى أنّ أوّل من دخل في هذا المضمار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومن بعده محمد رشيد رضا، ثم ظهرت الأفكار في الجانب الآخر من مثلًا أفكار عباس العقاد أو أفكار وطه حسين أو أفكار، إلى آخره، وهؤلاء كل بحسب ما عنده.
الخط الأول عنده علم كبير؛ ولكن لأجل الضعف عن مواجهة الغرب بكل شيء صاغوا أساليبهم بأساليب فكرية، فظهر عندهم من الأخطاء حتَّى تجاهلوا أصولًا عظيمة في الإسلام من أصول الغيبيات ونحو ذلك.
والطرف الآخر من المدرسة الجديدة أرادت أن ترد ولكن باستخدام لغة المستشرقين حتَّى غدا ذلك التأثير بيِّنًا.