كذلك ما يعلمونه من تنوع الأحرف، وأنّ هذه الآية أتى تفسير لها في الحرف الآخر من القرآن، أو أتى تفسيرها في موضع آخر من القرآن، كما نقول مثلا في قول الله جلّ وعلا ?وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ? [البقرة:222] ، في أولها قال (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) هنا هل يُكتفى في جواز إتيان المرأة الحائض أن تطهر أم لابدّ أن تغتسل؟ لا بد لهذا من تفسير، في القراءة الأخرى (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطَّهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ) في شواهد كثيرة لذلك؛ يعني أن القرآن يفسر بعضه بعضا، والقرآن منه الأحرف السبعة التي أُنزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن الأحرف السبعة القراءات السبع المعروفة والعشرة التي بقيت في الأمة من مجموع الأحرف السبعة.
فإذن القرآن يفسر بعضه بعضا، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يرجعون الآية التي يحتاجون إلى تفسيرها إلى موضع آخر أو إلى قراءة أخرى فيتضح المعنى لهم وهم أهل تدبرٍ للقرآن؛ لأنهم امتثلوا قول الله جلّ وعلا ?أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا? [النساء:82] .
بعد عهده عليه الصلاة والسلام كثُر التابعون واحتاج الناس إلى أن يُفَسَّر لهم القرآن، وسبب زيادة التفسير في عهد الصحابة عن عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ الحاجة إليه دعت، وذلك أنّ الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يشهدون التنزيل ويعلمون كثيرا من السنة ويعلمون القرآن والأحرف، وذلك بخلاف زمن التابعين؛ فإنهم كانوا أقل في ذلك من الصحابة رضوان الله عليهم، فلذلك احتاج من بعدهم إلى أن يفسر الصحابة لهم ذلك.