وابن عباس رضي الله عنه يقول: كنت لا أعلم معنى ?فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ? (1) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها. يعني ابتدأتها قبله ففهم منها معنى (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعني ابتدأهما على غير مثال سابق لهما، وابن عباس له في الاحتجاج بالشعر وباللغة الميدان الواسع، وبمطالعة قصته مع نافع بن الأزرق وصاحبه وأسئلة ذينك الرجلين لابن عباس يتضح هذا، فإنهما رأيا ابن عباس رضي الله عنهما -يعني عن ابن عباس وعن أبيه- يفسر القرآن ولا يسأل عن آية حتى يفسرها، وهو في ذلك حري لدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له بذلك، فقال نافع لصاحبه قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن، نسأله عن مَصَادِقِهِ من لغة العرب، فأتيا ابن عباس فقالا له: يا ابن عباس إنّا سائلوك عن آيٍ من القرآن لتخبرنا بمعناها، على أن تبين لنا مصادق كلامك من كلام العرب. فقال: اسألا عما بدا لكما. قالا: ما معنى قول الله جلّ وعلا ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ? [المائدة:35] - في سورة المائدة- ما الوسيلة هنا؟ فقال ابن عباس: الوسيلة الحاجة. فقالا له: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم ألم تسمعا إلى قول عنترة:
إنّ الرجال لهم إليك وسيلة… …أن يأخذوك تكحلي وتخضبي
قالا: فما معنى قول الله جلّ وعلا ?عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ عِزِينَ? [المعارج:37] ، ما العزون؟ فقال ابن عباس: العزون الجماعات في تفرقة. جماعة هنا وجماعة هنا وجماعة هنا. فقالا له: وهل تعرف العرب ذلك؟ -وهما يسألانه ليس للاستفادة من ابن عباس ولكن ليحرجاه- قال: نعم ألم تسمعا إلى قول الشاعر:
فجاءوا يهرعون إليه حتى ……يكونوا حول منبره عزينا
واحتجاج الصحابة في التفسير بلغة العرب كثير في ذلك.
فإذن يكون عندنا هنا أنّ مصادر الصحابة رضوان الله عليهم في التفسير عدة:
فمن مصادرهم في التفسير القرآن بأحرفه السبعة وبالقراءات؛ لأنّ القرآن يفسر بعضه بعضا؛ لأنه مثاني.
ومن مصادر الصحابة في التفسير السنة فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر لهم آيا تنصيصا وسنته تفسر لهم آيات كثيرة من القرآن لا على وجه التنصيص.
(1) الأنعام:14، يوسف:101، إبراهيم:10، فاطر:1، الزمر:46، الشورى:11.