كذلك من مصادر التفسير عند الصحابة أسباب النزول، لهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما من آية أنزلت إلا وأنا أعلم متى أنزلت وأين أنزلت، والله لو أنّ أحدا على ظهر الأرض عنده علم بالقرآن ليس عندي تبلغه المطي لرحلت إليه. وابن مسعود كان من أعلم الصحابة بأسباب النزول وهكذا غيره.
فمن مصادر التفسير عند الصحابة أنهم كانوا يعلمون أسباب النزول.
كذلك معرفتهم بلغة العرب فإنهم كانوا أهل علم باللسان العربي كما ذكرنا لكم شواهد ذلك.
كذلك من مصادر التفسير عند الصحابة رضوان الله عليهم العلم بأحوال العرب؛ لأنّ القرآن نزل يفصل أحوال الناس، ففيه حديث عن العرب، فيه حديث عن مشركي العرب، فيه حديث عن أهل الكتاب، فيه حديث عن أنكحة العرب، فيه حديث عن بيوع العرب، فيه حديث عن علاقات القبائل بعضها ببعض، وهكذا في أشياء شتى فالعلم بأحوال العرب، العلم بتاريخ العرب، بقصص العرب هذا يورث العلم بمعاني القرآن مثلا في قوله تعالى ?وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا? [البقرة:189] ، أمر بإتيان البيوت من الأبواب وترك الإتيان للبيوت من ظهرها، بمعرفة تاريخ العرب وحال العرب في ذلك نعلم معنى هذه الآية، كذلك فيما يتعلق بالأنكحة، كذلك فيما يتعلق بأحوال البيوعات والتجارات التي كانت عند العرب، وهكذا في أنحاء شتى.
فمن مصادر التفسير عند الصحابة؛ يعني من مراجع الصحابة في التفسير العلم بأحوال العرب التي كانوا عليها، فإنّ من لم يعلم أحوال العرب كانوا عليها في عقائدهم وفي دياناتهم وفي تعبداتهم وفي علاقاتهم الاجتماعية وفي تجاراتهم إلى آخر هذه الأحوال فإنّه لن يُحسن التفسير؛ لأنه سيجعل التفسير يناسب قوما آخرين غير الأوائل، والقرآن نزل للأولين والآخرين ومعرفة السبب يورث العلم بالمسبب، والعبرة -كما هو معلوم- بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ ولكن لابدّ من معرفة ما تشتمل عليه الآية أولًا ويدخل فيها من جهة المعنى من باب الأولية.