كذلك من مصادر التفسير عند الصحابة سؤال بعضهم بعضا، فإنّ ابن عباس سأل عمر رضي الله عنه عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قول الله جلّ وعلا ?إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ? [التحريم:4] ،فسأل ابن عباس عمر رضي الله عنهم أجمعين فقال: من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال عمر: عائشة وحفصة. فالصحابة يسأل بعضهم بعضا عن التفسير، فصار من مصادر التفسير عند الصحابة سؤال بعضهم بعضا، فيسأل الصغير الكبير، ويسأل من لا علم عنده من عنده علم.
فصار عندهم احتجاج في التفسير بالقرآن وبالسنة وباللغة وكذلك بأقوال الصحابة، إلى تفاصيل في ذلك يضيق المقام عن بسطها.
الصحابة رضوان الله عليهم توسّعوا في التفسير وكان من مشاهيرهم في التفسير:
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وكانت ولادته في شِعْب أبي طالب قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - عدة مرات بأنْ يعلمه الله التأويل وأنْ يعلمه الفقه؛ فقال «اللهم فقّهه في الدين» ، وقال «اللهم علمه الحكمة» ، وقال «اللهم علمه التأويل» في حوادث مختلفة وفي رواية مجتمعة قال «اللهم فقّهه في الدين، وعلمه التأويل» ، فبرز ابن عباس في التفسير كثيرا.
وكذلك عبد الله بن مسعود.
وكذلك عائشة.
وكذلك عمر رضي الله عنه.
وكذلك علي رضي الله عنه.
فهؤلاء الخمسة يكثر النقل عنهم في التفسير ابن عباس وابن مسعود وعائشة وعمر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.
تميّزت تفاسير الصحابة بأشياء:
( فمما تميزت به تفاسير الصحابة أنّها اشتملت على الألفاظ القليلة والمعاني الكثيرة، ولهذا من أتى بعدهم فإنما يحوم حول كلام الصحابة، ولهذا قال ابن رجب في كتابه فضل علم السلف على علم الخلف قال: كلام السلف قليل كثير الفائدة وكلام الخلف كثير قليل الفائدة. فمما يظهر لكَ في تفاسير الصحابة أنّها كلمات قليلة ولكن تحتها المعاني الكثيرة.
(ثانيا تميزت تفاسير الصحابة بأنها سليمة من البدع، سليمة من الضلال في الاعتقاد؛ لأنهم أئمة المتقين وأئمة السلف وإليهم المرجع في التوحيد والعقيدة، فتفاسيرهم مضمونة لا غلط فيها ولا إشكال فيها، فمن أخذها فهو يأخذ مطمئنا، فأما تفاسير من بعدهم فحصل فيها الانحراف بقدر ما عند من بعدهم.