فإذن القطعي لا يناقض قطعيا ولا يضاد قطعيا، واليقيني لا يناقض يقينيا ولا يضاد يقينيا، وإنما إذا ظهر هنا عدم الاجتماع في ذهن البعض، فالحق هو في القرآن، وغيره فهو عرضة لأن يكون صوابا أو أن يكون خطأ، فإن كان مظنونا فإننا لا نحمل آيات القرآن عليه لأن القرآن حق قطعي، إذا كان قطعي الدلالة على المذكور، وتلك النظريات مظنونة، وإن كانت تلك النظريات يقينية فلابد أن تكون الآية التي تشمل نلك النظرية أن تكون فيها ذلك المعنى دون مناقضة.
وهذا هو الذي غلط فيه البعض فأدرج المسألة وجعلها بابا واحدا؛ كل ما أتى من النظريات العلمية حمل القرآن عليه، وهذا غلط فلابد من تقسيم العلوم الحديثة إلى شيء قطعي، والقطعي لا يناقض قطعيا؛ لأن القرآن حق من عند الله جل وعلا مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة، وإذا كان مظنونا فلابد من التوقف في المظنون هذا وإبقاء القرآن على ظاهر دلالته حتى يظهر شيء يمكن أن يُفهم القرآن عليه.
خُذ مثلا في تفاسير الصحابة أجمع العلماء على أنّ الأرض كرة وأنها مسلوبة من الجانبين قليلا -ليست كرة مستوية القطر من جميع الجهات-، أجمع العلماء والمفسرون على ذلك، وحكى الإجماع على هذا ابن المنادي من الشافعية وابن حزم من الظاهرية وجماعة من أهل العلم وقرره شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة، أخذوا ذلك من قول الله جل وعلا ?يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ? [الزمر:5] ، في سورة الزمر، هذا التكوير؛ تكوير الليل على النهار والنهار على الليل لا يمكن أن يتصور إلا أن تكون الأرض كرة؛ لأن تكوير الليل معناه أنه لا يأتي لحظة ينقضي منها ليل إلا وبعدها نهار؛ فهذا يعقب هذا بتوالٍ بلفظ التكوير، فلهذا نص من نص من الصحابة ومن بعدهم على أن الأرض لها شكل البيضة أو نحو ذلك.