فهرس الكتاب
التعليل. فإنّ علة الأمر أن الشيطان ينزغ بين الناس ولهذا يجب علينا أن نسعى في أن نقول القول الحسن، ولهذا لا يحسن فيما بين المؤمنين أن يكثروا المِزاح وأن يكثروا المراء، وأن يكثروا رمي كلام بعضهم على بعض، وهذا يستهزئ بهذا، وهذا يقول بهذا كذا ونحو ذلك، وهذا ليس من أخلاق ممن يرجى أن يرفعوا الدعوة وأن يجاهدوا في سبيل الله، وليس من أخلاق المؤمنين بعامة كثرة المراء والمزاح والاستهزاء، حتى الاستهزاء بأصله لا يجوز.
إذا تقرّر هذا فمما يجب: أن تسعى للقول الأحسن في مقالك مع كل مؤمن سواء أكان موافقا أو كان مخالفا؛ لأن الحق لا يكون ظهورُه بالقول السّيئ إلا في حالة واحدة وهي في حالة المظلوم قال جل وعلا ?لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ? [النساء:148] ، فمن ظُلم بخصوصه فله أن يجهر بالقول السيئ انتصارا لما أُخذ من حقه، وهذا خلاف الأفضل والفضل أن يعفو وأن يصفح كما كانت عليه حال المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فإذن هذه الآية فيها وصية عظيمة في أنْ نقول القول الذي هو أحسن ما يكون مع الموافق ومع من لا يوافقنا إلا في حال الأمر والنهي وفي بعض الأحوال الشرعية التي يتطلب الأمر فيها إغلاق للحق فهذا ليس داخلا في الباب لأن هذا له أصوله الشرعية، أما ما يجري فيما ترون وتمارسون في ما بين الناس هذا [...] مع هذا، هذا يرمي كلمة، هذا يرمي كلمة هذا يوغر الصدور ويفرق أهل الإيمان، حتى غدت الطائفة الواحدة طوائف بسبب اللسان؛ بسبب المقال، ونحن كيف نرجوا اجتماعا ونرجوا قوة ونرجو هيبة عند مخالفينا ونحن لم نتفق فيما بيننا بل لم يعطِ أحدنا أخاه حقّه الواجب عليه، فهذا يقدح ويقول، بل العجب ما حكى لي بعضهم أنه قل أن تجتمع فئة قليلة إلا ونهلوا أو لمزوا بعض الإخوان، وهم لم ينصحوهم فيما بينهم أو لم يلتمسوا العذر لهم، أو إلى آخره، وهذا خلاف ما أمر الله جل وعلا به في هذه الآية ?وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ? [الإسراء:53] ، فيجب علينا أن لا نجعل للشيطان علينا مدخلا ونصيبا في التفريق وفي إيغار الصدور بعضنا على بعض؛ لأن هذا من أسوأ ما يكون بين المؤمنين، «سباب المسلم فسوق، سباب المسلم فسوق، سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» .
نسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن صلح وطاب قلبه، وصلح وطاب سمعه، وصلح وطاب بصره، وصلح وطاب لسانه.