فهرس الكتاب

الصفحة 817 من 2735

وفلاح النفس وتزكيتها يكون بأمر عام ألا وهو أن يجعل نفسه متعلقة بالدار الآخرة وأن يجعلها مبتعدة عن دار الغرور، يجعل هذه النفس في أحوالها وفي مطالبها متعلّقة بالدار الأخرى، متعلقة بالجنة وبالرغب إليها وبالقرب منها وبإعداد المنازل هناك، وبالبعد عن النار وعن وسائلها وعن ما فيها من أنواع العذاب.

هذه أولى درجات تزكية النفس أن يكون المرء ناظرا فيما يُصلحه في داره الأخرى؛ يعني أن يكون المرء متعلقا بالدار الأخرى، وإذا تعلق المرء في الدار الأخرى رغبا في الجنة وهربا من النار، كانت الحصيلة أنه يسعى إلى ما يقربه من الجنة ويسعى فيما يبعّده من النا، ولتزكية النفس كما قال بعض علماء السلف لتزكية النفس ثلاثة ميادين:

أول ذلك أن يزكي نفسه بإصلاح القلب بتوحيد الله جل وعلا وبإخلاص الدين له، فإن إخلاص القلب لله جل وعلا هو أعظم ما تكون به تزكية النفس؛ لأن النفس لابد وأن يكون فيها محاب مشتركة، فإذا كانت محبة الله جل وعلا أعظم وكانت مرادات النفس تبعا لمراد الله جل وعلا كان الإخلاص في القلب أعظم، وكان ازدياده من الإقبال على الله جل وعلا أعظم، ولاشك أن الإخلاص يتبعه أنواع من إصلاح عبوديات القلب.

ومن أمثل من شرح ذلك وبينه ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام العلم الإمام المعروف في كتابه مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، فإن هذا الكتاب خلّص ابن القيم رحمه الله فيه كلام السلف من أدران كلام غلاة المتصوفة وجعله كلاما متسقا كلاما عظيما كلاما جميلا فيه إصلاح عبوديات القلب، هذا الكتاب مما ينبغي أن يمر عليه طالب العلم؛ بل يمر عليه كل مسلم بين الحين الآخر وأن ينظر فيه، فما فهمه منه مما فيه إصلاح النفس عمل به، وما لم يفهمه أو استشكله يسأل أهل العلم عن مرادات ابن القيم في ذلك.

إن إصلاح القلب أيها المؤمن إنما يكون بأن يكون الله جل وعلا في قلبك أعظم من كل شيء، قال ابن القيم رحمه الله:

فلواحد كن واحدا في واحد أعني سبيل الحق والإيمان

(لواحد) يعني لله جل وعلا وحده دونما سواه، (كن واحدا) في قصدك وإرادتك وتصرفاتك (في واحد) يعني في سبيل واحد غير متعدد قال مبينا هذا السبيل (أعني سبيل الحق والإيمان) .

فتخليص النفس من الرهب في غير الله جل وعلا هذا أول مدارج إصلاح النفس، وإن إصلاح النفس وتزكيتها إنّ ذلك من أعظم المطالب وأن يكون الله جل وعلا ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب للعبد مما سواهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت