ولا شك الحسنة تجلب الحسنة والحسنة تجلب السيئة، وهذا يقود إلى ذاك، فإذا جاهد العبد نفسه في امتثال الأوامر وفي الابتعاد عن النواهي، كان مزكيا لنفسه، ثم النوافل، النوافل في جانب الأوامر والنوافل في جانب المنهيات يعني ترك المكروهات؛ لأن ترك المكروه مستحب؛ ولأن فعل النافلة مستحب، إن فعل النوافل في هذا وذاك مما يقرب إلى الخير، وقد ثبت في صحيح البخاري أنّ الله جل وعلا في الحديث القدسي «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبد المؤمن يكره الموت وأمره مساءته» يعني جل وعلا بقوله (كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به) إلى آخر الحديث؛ يعني كنت مسدِّدا له في سمعه فبي يسمع وبي يبصر فلا يسمع العبد إلا ما يحب الله ولا يبصر إلا ما يحب الله ولا يمشي إلا إلى ما يحب الله ولا يعمل بيده إلا ما يحب الله جل وعلا، هذا بعد أن يكون العبد آتيا بالنوافل بعد الفرائض، ولا شك أن أغلى ما عندك نفسك، أغلى ما تملك هو هذه النفس، وهذه النفس في حياة قصيرة هي هذه الحياة الدنيا، فإذا سعى العبد في تزكيتها كانت له السعادة في الحياة الآخرة، وقد قال جل وعلا ?مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً? [النحل:97] فهذه الحياة الطيبة في هذه الدنيا في وفي الدار الأخرى.
والدرجة الثالثة من درجات تزكية النفس أن يكون العبد محاسبا نفسه دائما أن لا يغفل عنها، ومحاسبة النفس من أنواع التزكية لأن العيد إذا غفل عن نفسه فإنه يؤتى، وإذا ترك نفسه وهواها فإنه يتمنى على الله الأماني، وهذا إنما يكون بالحزم. وهذه أولى أنواع التعامل، وهي التعامل مع النفس ولا شك أن أعظم ما يجب عليك معه التعامل مع نفسك التي بين جنبيك وما يجب عليك أن تحمل هذه النفس على الطاعة والخير وعلى إخلاص العبادة وعلى التقرب إلى الله جل وعلا دائما وعلى أن تسعى في العبوديات المختلفة في كل حالك وفي كل تقلباتك.
تعامل المرء مع والديه