فهرس الكتاب
قوله «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» يعني إذا كان في حق من حقوق الدنيا إذا كان في أمر لك في شيء في قلبك تكلم عليك؛ يعني شيء تعدى شخصيا صار بينك وبينه شحناء مرادة في الكلام بغضاء إلى آخره، فهذا هو الذي يجوز أن تهجره إلى ثلاث، أما فوق الثلاث فلا يجوز أن تهجره في ذلك ولو كان عاصيا، وحقه في ذلك الذي به يزول الهِجران أن تسلم عليه، كما قال في هذا الحديث «يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما من يبدأ السلام» .
أما الهجر لحق الله جل وعلا فهو على مرتبتين كما قال شيخ الإسلام بن تيمية وغيره من المحققين من أهل العلم:
هجر من جهة الوقاية.
وهجر من جهة التأديب.
يعني بذلك براد منه الوقاية وهجر يراد منه التأديب.
أما هجر الوقاية -يعني هجر العاصي والمبتدع ونحو ذلك هجر الوقاية- فأن تقي نفسك أن تسمع منه أو أن تخالطه في معصيته حتى تقي نفسك من أن تتأثر به؛ لأن الإنسان يتأثر بطبعه، إما أن يؤثر، وإما أن يتأثر، فإذا خالط العصاة وهم على معاصيهم وظن أنه مخالطته لهم وهم يمارسون المعصية أنه خير فهذا من تسويل الشيطان له، لا يجوز لك أن تخالط معاصيا حال عصيانه، وإنما تخالطه في حال عدم العصيان وتأمره وتنهاه وتحبب إليه الخير أما في حال عصيانه فلا يجوز أن تبقى وهو يعصي الله جل وعلا إلا أن تكون آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر.
هذا النوع من الهجر هو هجر الوقاية يعني أن تهجر أخاك المسلم أن تهجر هذا العاصي حال ممارسته للمعصية، حال غشيانه لما لا يرضى الله جل وعلا عنه، هذا الهجر يسمى الهجر وقاية.
وأما النوع الثاني من الهجر فهو هجر التأديب؛ يعني التعزير، أن تهجره لكي تصلحه، والأصل في ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فنزل فيهم قول الله جل وعلا في آخر سورة براءة ?وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ? [التوبة:118] ، هؤلاء الثلاثة هجروهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمر الناس بأن يهجروهم فلا يكلموهم ولا يبايعونهم ولا يشاروهم حتى إن هؤلاء ضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه.