فهرس الكتاب
فإذن نقول: الاعتصام بالكتاب والسنة يأتي معك في الدين بأن لا تتفرق في الدين، وأن لا تأخذ قول الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون، ونأخذه بالاعتصام بالائتلاف والجماعة الواحدة.
إذا تبين ذلك فنأتي إلى تاريخ الأمة الطويل العجيب الذي بدأ فيه الانحراف وترك الاعتصام بالكتاب والسنة من ظهور الخوارج، وأول ما ظهرت الخوارج في عهد النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ حيث قال له رجل: يا رسول الله اعدل في قسمة المال. فقال له عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل؟» ثم قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «يخرج من ضئضئ هذا أقوام تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» حصل الافتراق في الأمة يترك الاعتصام بالكتاب والسنة، الخوارج يقولون: ما في القرآن نقبله وما جاء في الأحاديث عن هؤلاء الصحابة الذين نقاتلهم لا نقبله. ففرقوا دينهم، فقبلوا بعضا وتركوا بعضا، حتى فيما قبلوه من القرآن استدلوا بالمتشابه وتركوا المحكمات.
خرجت المرجئة والطريق نفسها لم يعتصموا بالكتاب والسنة بالنصوص في الدين، خرجت القدرية، خرج المعتزلة، خرج الجهمية، خرج غلاة الصوفية، خرج المتكلمون إلى آخره، لِم ظهرت هذه الفرق؟ لتحكيم العقل وعدم الرجوع للكتاب والسنة.
فإذن من أصول الاعتصام بالكتاب والسنة وقواعده العظام أن يُترك العقل عند ورود النص، فالعقل تابع للنص، مفسر للنص فيما يسوغ فيه الاجتهاد، وأما أن يكون العقل حاكما على النص فهذا أول طرق الضلال، ويكون تحكيم العقل حاكما على النص ومقدما عليه بأنواع -تارة كما عند المتكلمين- بقولهم الدليل القولي قاطع والدليل النقلي ظني فلا نقدم الظني على القطعي، وهذا باب من أبواب الضلال به قدموا العقليات بأهوائهم على ما جاء في النصوص كلام الله جل وعلا وكلام نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.