فهرس الكتاب
نأخذ مسار آخر في ذلك وهو مسار الاجتماع وهو النوع الثاني من أنواع التفرق، الاجتماع أمر الله جل وعلا به في كتابه وأمر به نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سنته في أحاديث كثيرة فقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في حديث العرباض بن سارية المشهور الذي في السنن «إنه من يعش منكم فيسرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة» ، وقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في التشديد في البيعة والأمر بالطاعة لولي الأمر المسلم الذي بايعه أهل الحل والعقد من المؤمنين، قال في التشديد على ذلك «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» ، وقال «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه كائنا من كان» .
إذن فالأمر بالاجتماع نهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والنهي عن التفرق معناه الدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، فالذي يدعو إلى الاعتصام بالكتاب والسنة ولا يُدخل كل ما حصل فيه الافتراق في الأمة راجعا إلى الاعتصام بالكتاب والسنة فلم يفهم معنى الاعتصام بالكتاب والسنة، فأي افتراق حدث عن طريقة الصحابة ما قرره أهل السنة والجماعة في كتبهم، فإن سبب ذلك راجع إلى عدم الاعتصام بالكتاب والسنة.
فلهذا نقول: كل مسألة يجب أن يستدل عليها أولا بنصوص الاجتماع ونصوص الاعتصام وبالكتاب والسنة؛ لأنه ما من مسألة إلا وإرجاعها إلى دليل من الكتاب والسنة، فالله سبحانه وتعالى بين أن خصلة المنافقين أنهم {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ} [النور:48] ، وقال جل وعلا {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء:65] ؛ يعني في الأمور الاجتهادية وفي أمور العملية وفي أمور الاعتقادات لابد من تحكيم الكتاب والسنة.