فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 132

وإذا أنت لم تعجل بالجواب، وخليته للقوم_اعترضْت [1] أقاويلهم على عينك، ثم تدَبَّرْتَهَا وفكرت فيما عندك، ثم هيَّأت من تفكيرك ومحاسن ما سمعت جوابًا رضيًَّا، ثم استدبرت به أقاويلهم حين تصيخ إليك الأسماع، ويهدأ عندك الخصوم.

وإذا لم يبلغك الكلام حتى يكتفي بغيرك، أو ينقطع الحديث قبل ذلك_فلا يكون من العيب عندك، ولا من الغبن في نفسك فوتُ مافاتك من الجواب؛ فإن صيانة القول خيرٌ من سوء وضعه، وإن كلمةً واحدةً من الصواب تصيب موضعها خيرٌ من مائة كلمة تقولها في غير فرصها ومواضعها.

مع أنَّ كلامَ العجلةِ والبدارِ موكلٌ به الزلل، وسوء التقدير، وإِنْ ظَنَّ صاحبهُ أَنْ قد أتقن وأحكم.

واعلم أن هذه الأمور لاتدرك، فلا تملك إلا بِرُحب الذرع [2] عندما قيل ومالم يقال، وقلة الإعظام لما ظهر من المروءة ومالم يظهر، وسخاوة النفس عن كثيرٍ من الصواب مخافة الخلاف، والعجلة، والحسد، والمراء+. [3]

فمن الناس من يحرص على إبراز نفسه، وإظهار قدرته وخبرته، وإشعار الآخرين بحنكته وجودة رأية، فتراه يحرص على إبداء رأيه في كل صغيرة وكبيرة، ويتعجل ذلك فيقول به بمناسبة وبغير مناسبة، وسواء سُئل عن ذلك أم لم يُسأل.

كل ذلك دونما نظر في العواقب، أو مراعاة المصلحة.

(1) عترضت أقاويلهم على عينك: أي تأملتها، وترويت في فهم أبعادها، وخلصت بذلك إلى حسن الإجابة.

(2) رحب الذرع: سعة العلم، وسعة الأفق، وقوة التبصر.

(3) الأدب الصغير والأدب الكبير ص122_123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت