وهذا دأب كثير من الناس سواء في أحاديثهم ومنتدياتهم، أو في مطالباتهم وخصوماتهم، فتراهم يتجادلون ويتمارون عند كل صغيرة وكبيرة.
لا لجلب مصلحة، ولا لدرء مفسدة، ولا لهدف الوصول إلى الحق والأخذ به، وإنما رغبةً في اللدد والخصومة، وحبًّا في التشفي من الطرف الآخر.
ولهذا تجد الواحد من هؤلاء يُسَفِّه صاحبه، ويرذل رأيه، ويرد قوله.
فلا يمكن_والحالة هذه_أن يصل المتجادلون إلى نتيجة طالما أن الحق ليس رائدَهم ومقصودَهم.
وإذا الخصمان لم يهتديا ... سُنَّةَ البحثِ عن الحق غبر [1]
فالجدال والمراء على هذا النحو مجلبة للعداوة، ومدعاة للتعصب، ومطية لاتباع الهوى.
بل هو ذريعة للكذب، والقولِ على الله بغير علم خصوصًا إذا كان ذلك في مسائل الدين، وهذا أقبح شيء في هذا الباب.
قال الإمام النووي×: =مما يذم من الألفاظ المراء، والجدال، والخصومة.
قال الإمام أبو حامد الغزالي: المراء طعنك في كلام الغير لإظهار خلل فيه؛ لغير غرض سوى تحقير قائله، وإظهار مزيتك عليه.
قال: وأما الجدال فعبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها.
قال: وأما الخصومة فلجاج في الكلام؛ ليستوفي به مقصوده من مال أو غيره.
(1) خواطر الحياة لمحمد الخضر حسين ص77.