هذا وللطرقات آداب أخرى غير ما ذكر في الحديث السابق، فقد ورد ذكرها في أحاديث أخرى، وقد بلغ مجموع تلك الآداب أربعة عشر أدبًا كما قال ابن حجر في الفتح، وقد نظمها× في الأبيات التالية، حيث يقول:
جَمَعْتَ آدابَ من رام الجلوسَ على ... الطريق من قول خير الخلق إنسانا
أفشِ السلامَ وأحسن في الكلام ... وشمِّتْ عاطسًا وسلامًا رُدَّ إحسانا
في الحمل عاون ومظلومًا أعِنْ وأغِثْ ... لهفانَ أهدِ سبيلًا واهد حيرانا
بالعرف مُرْ وانْهَ عن نُكْرٍ وكفَّ أذىً ... وغُضَّ طرفًا وأَكْثِرْ ذِكْرَ مولانا [1]
فالمجالس التي تجمع الناس، ويكثر أهلها من ارتيادها والاختلاف إليها_يُفْتَرض فيها أن تكون مجالس خير وبركة، وأنس ومودة، تسودها الألفة والإخاء، ويرفرف في أفياءها الصفاء والنقاء، ويجد فيها المرء فيها فرحه وسروره، ويطرح في ساحها همومه وأنكاده وغمومه.
إلا أن المتأمل لكثيرٍ من المجالس لا يجد إلا عكس ما مضى؛ فيكثر فيه الخلاف، ويغلب على مرتاديها سوء الظن، وتشيع فيما بينهم العداوة والبغضاء، ويكثر فيهم الحسد والبغي والاستطالة.
فإذا رأيت أصحابها ظننتهم إخوة متآلفين من كثرة ما يلقى بعضهم بعضًا.
وإذا كشفت عن سالفتهم، وتبَيَّنْتَ حقيقة أمرهم_وجدت قلوبًا متنافرة، وضلوعًا على الضغينة مَحْنيَّة؛ فالواحد منهم يحذر جلسائه، ويتحفظ منهم أشد التحفظ، فإذا قال كلمة خشي من تكذيبهم له، أو سخريتهم به، وإذا همَّ بالقيام من المجلس خاف
(1) فتح الباري11/ 13.