فهذا من قلة الأدب، ومما ينافي إكرام الجليس، فلا يسوغ للمرء أن يقوم عن المتحدث قبل أن يكمل حديثه؛ لما في ذلك من استجلاب الضغينة، واحتقار المتحدِّث إلا إذا احتاج السامع للقيام، واستأذن من محدِّثه_فهنا ينتفي المحذور.
قال أبو مجلز: =إذا جلس إليك رجل يَتَعَمَّدُك فلا تقم حتى تستأذنه+. [1]
وقال أسماء ابن خارجة: =ماجلس إليَّ رجل إلا رأيت له الفضل عليَّ حتى يقوم عني+. [2]
فمن الناس من إذا طرق سمعه كلامٌ غريب من متحدِّث ما_بادر إلى تكذيبه، وتفنيد قوله، إما تصريحًا، أو تلميحًا، أو إشارةً باليد أو العين، وأن يهمز من بجانبه؛ ليشعره بأن المتحدِّث كاذب.
فهذا العمل من العجلة المذمومة، ومن إساءة الظن بمن يتحدّث، وهو مما ينافي كمال الأدب والمروءة.
فينبغي لمن استمع حديثًا من أحد ألا يبادر إلى تكذيبه، بل عليه أن يُنصت له، وإن رأى في هذا في الحديث وجهَ غرابةٍ فلا يستعجل الحكمَ عليه بالكذب، بل يستفصل من المتحدِّث، لعله يُبين له وجهته وأدلته.
ثم إن تأكد من كذبه فلينصح له على انفراد؛ لئلا يعاود الكذب مرةً أخرى.
فإن عاد إليه، واقتضت المصلحة أن يُبيَّن كذبه_فلا بأس حينئذ من ذلك؛ حتى يرتدع من تلك الخصلة الذميمة.
(1) المنتقى من مكارم الأخلاق ص153.
(2) المنتقى من مكارم الأخلاق ص153.