وإنما المقصود ألا يكون ذلك سمة في المرء، وديدنًا وعادةً له، يتحدث به عند كل أحد، بمناسبة وبغير مناسبة؛ فكمال المروءة ألا يكثر المرء من الحديث عن النساء على نحو ما سبق؛ لأن في كثرة الحديث عنهن خدشًا للمروءة، وإسقاطًا للهيبة، وإضاعة للوقت، واشتغالًا عما هو أولى وأحرى.
فهناك من الناس من يغلب عليه طابع الهزل، فلا يعرف للجد سبيلًا، ولا لمعالي الأمور طريقًا.
فإذا جلس مجلسًا أضفى عليه ما أضفى من هزله، وتخاذله، ورخاوته، وملأه بهزئه، وسخريته، وكلامه السمج الذي يسمونه=التنكيت+الخارج عن حدود الأدب واللياقة؛ فإن هؤلاء المُنَكِّتين ينالهم الذل والصغار، واحتقار العقلاء لهم، فيكبرون وهم الأصغرون. [1]
وليس معنى ذلك أن ينقبض المرء في مجلسه، وأن يثقل على من حوله_بقدر ما هي دعوة لتخليص تلك المجالس من أن تتمحض للهزل.
ومن أمثال العرب السائرة قولهم: =الانقباض عن الناس مَكْسَبةٌ للعداوة، والإفراط في الأنس مكسبة لقرناء السوء+. [2]
وهذا الأمر قريب من سابقه، فبعض الناس يغلب عليه كثرة المزاح، وربما أسفَّ فيه، ومزح مع من لايرغب في المزاح.
(1) انظر جوامع الآداب ص27.
(2) الأمثال لأبي عبيد ص220.