فهناك من إذا جلس إليه أحد من الناس، ثم شرع في حديث ما_بدأ بتتبع عثراته، وتصيد زلاته؛ فما أن ينبس المتحدث بكلمة عوراء أو نحوها_إلا ويحفظها، ويتروَّاها، ويُذكِّره بها بين الفينة والأخرى.
ومن هنا تجد أن الناس ينفرون من ذلك الشخص، ويتحفّظون من الكلام معه في أي أمر.
وليس ذلك الفعل من المروءة في شيء، بل المروءة تقتضي أن يتعامى المرء عن عيوب جليسه، وأن يتغاضى عما يصدر منه من خطل أو زلل؛ ليحفظ على جليسه كرامته وعزته.
ثم إن رأى منه أمرًا يستوجب التنبيه نبهه بلطف وأدب دون أن يخدش كرامته.
قال بعضهم يمدح قومًا:
وأحلامُ عادٍ لا يخاف جليسُهم ... إذا نطق العوراءَ غربُ لسان
إذا حُدِّثوا لم يخش سوءُ استماعهم ... وإن حَدَّثوا أدَّوا بحسن بيان [1]
وقال آخر:
جليسٌ لي أخا ثقةٍ ... كأن حديثه خبره
يَسُرُّكَ حسنُ ظاهرهِ ... وتحمد منه مختصره
ويستر عيبَ صاحبه ... ويستر أنه ستره [2]
42_إظهار الملالة من الجليس:
(1) المنتقى من مكارم الأخلاق ص148.
(2) بهجة المجالس1/ 45.