فهناك من الناس من هو ضَيِّقُ الطعن، كثير الملامة، فإذا ما جلس إليه أحد أظهر الانقباض، وأبدى الضجر، ولم يتحدث إلى جليسه إلا على سبيل الاختصار.
وإذا أقبل إليه أحد، وتَقَصَّده ليجالسه_لم يَتَطَلَّقْ له، ولم يفرح بمقدمه، بل ربما قابله بالإشاحة والصدود، وبالاكفهرار والعبوس.
وهذا الخلق مما يتنافى مع المروءة؛ إذ المروءة وكمال الأدب يقتضيان أن يتطلّق المرء لجليسه، وأن يظهر له الفرح، وأن يلاطفه بحسن الحديث، ويشكره على تفضله ومجيئه؛ فلجليسك ومن يَتَقَصَّدك حق ومكانة.
وكرامُ الناس وساداتهم يقضون هذا الحق، ويكرمون جليسهم ومن يقصدهم حق التكرمة، فيرفعون من قدره، ويعلون منزلته، ولا يرضون أن يهان أو ينال بمكروه مادام في حضرتهم.
=والعرب تجعل الحديث، والبسط، والتأنيس، والتلقي بالبِشْر_من حقوق القِرى، ومن تمام الإكرام.
وقالوا: من تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة، وإطالة الحديث عند المؤاكلة+. [1]
قال حاتم الطائي:
سلي الجائعَ الغرثان يا أمَّ منذرٍ ... إذا ما أتاني بين ناري ومجزري
هَلَ ابْسط وجهي إنه أَوَّلُّ القِرى ... وأبذل معروفي له دون منكري [2]
وقال مسكين الدارمي:
(1) البيان والتبيين للجاحظ1/ 10.
(2) ديوان حاتم الطائي، صنفه بن مدرك الطائي، رواية هشام بن محمد الكلبي، دراسة وتحقيق د. عادل سليمان جمال، ص302.وانظر البان والتبيين1/ 10.