إنك لو أجَلْتَ النظر في مجالس الناس، وأصخت السمع لأحاديثهم_لوجدت أن جُلَّ حديثهم واهتمامهم إنما هو بطرح قضايا باردة، أو بطرق موضوعات تافهة، تَنِمُّ عن همم دانية، وعقول خاوية، ولا تَخْطِبُ المعالي، ولا تنشد الكمالات، بل تدور حول الصغائر والسفاسف والمحقِّرات.
فتارة يتحدثون عن الرياضة ومن فاز، ومن هُزِم، ومن أُصيب من اللاعبين ومن شُفي؟.
وتارة عن الفن وأخبار أهله، وقراءة مذكراتهم، ومتابعة آخر أعمالهم.
وإن سَمَتْ تلك المجالس قليلًا أغرقت بالحديث عن حطام الدنيا، وعن المصالح الخاصة فحسب.
وإلا مُلئت بِتَسَقُّط الأخبار، وتتبع العيوب، ونحو ذلك.
فما لهذا رُكِّبت الألسنة في الأفواه، ولا بهذا تُقدَّر نعمة اللسان وموهبة البيان.
لقد أنعم الله على الإنسان بتلك النعمة، وكَرَّمه بها على سائر المخلوقات.
وعلى قدر جلال النعمة يعظم حقُّها، ويستوجب شُكْرُها، ويستنكر كنودها. [1]
ولقد بين الإسلام كيف يستفيد الناس من هذه النعمة المسداة، وكيف يجعلون كلامهم الذي يتردد على الألسنة طريقًا إلى الخير المنشود، بدلًا من شغله بما لا ينفع أو ربما ضر.
قال الله_تعالى_: [لا خير في كثيرٍ من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا] (النساء: 114) .
(1) انظر خلق المسلم ص77.