الثاني: شهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا. يعني يثبت له ما يثبت للشهيد في الدنيا والآخرة لكن باعتبار ماذا؟ باعتبار الآخرة، وهو الغريق والحريق والمطعون والمبطون ومن قتل دون ماله أو دون نفسه أو دون حرمته هذا نحكم عليه بأنه شهيد، لكن يُغَسّل ويُكَفّن ليس كالشهيد الأول يُغَسّل ويُكَفّن ويصلى عليه ويدفن، وكذلك الكفن ليس كالأول يعني ذاك يدفن بدمه.
الثالث: شهيد في الدنيا دون الآخرة. وهو من غلَّ من الغنيمة أو قتل مدبرًا يعني يحكم عليه بظاهرة في الدنيا، وأما باعتبار قلبه وإخلاصه فمرده إلى الله تعالى. قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء} [آل عمران: 140] قيل: هم الذين قتلوا في سبيل الله. وقيل: العلماء. {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء} لقوله تعالى: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] فجعل أهل العلم شاهدين بما شهد الله لنفسه، ولأن العلماء يشهدون بالبلاغ على الأمة بالتبليغ، بالبلاغ للرسل يعني، وعلى الأمة بالتبليغ. ولو قال قائل: الآية عامة للنوعين يعني من قتلوا في سبيل الله وللعلماء لكان أولى، لأن الشهداء يطلق ويراد به العلماء ويُطلق ويُراد به من قتل في سبيل الله، فاللفظ صالح للوجهين ولا يتنافيان ويكون شامل الذين قتلوا في سبيل الله والعلماء الذين شهدوا لله بالوحدانية وشهدوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالبلاغ وشهدوا على الأمة بأنها بلغت. قاله ابن عثيمين رحمه الله تعالى.
قوله: (والصَالِحِينَ) الصالح هو القائم بحدود الله وحقوق عباده يعني جمع بين الطاعتين، أطاع الله تعالى في حقوقه، وأطاع الله تعالى في حقوق عباده.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في كِتاب الإيمان ولفظ الصالح والشهيد يُذكر مفردًا فيتناول النَّبِيِّين والصديقين والشهداء، ويذكر مع غيره فيفسر بحسبه يعني إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. فالصالحون يشمل كل الأنواع الثلاثة السابقة يعني ومن دونه في المرتبة ليختص بمعنى لا يدخل في ما سبق، فالأنبياء صالحون، والصديقون صالحون، والشهداء صالحون. حينئذٍ بهذا المعنى عطف الصالحين على الأنبياء والشهداء ومن سبق يكون من باب عطف العام على الخاص، والصالحون هم الذين قاموا بحق الله تعالى وحق عباده لكن لا على المرتبة السابقة، بإخراج المراتب الثلاثة السابق، وهي: النبوة، والصديقية، والشهاد. فهو دونهم في المرتبة، وقدَّم النبيين على الصديقين لشرفهم، ولكون الصديق تابعًا للنبي فاستحق اسم الصديق بكمال تصديقه للنبي فهو تابع محضّ، وقدم الصديقين على الشهداء لفضل الصديقين عليهم، وقدم الشهداء على الصالحين لفضلهم عليهم. انتهى من (( البدائع ) )بتصرف.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأفضل الخلق النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، وأفضل كل صنفيٍ أتقاهم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وانتهينا من مقدمة المصنف رحمه الله تعالى. ثم شرع في بيان ما يتعلق باستدلالات على جهة التنصيص. والله أعلم.