قوله: (وَالصِّدِّيقِينَ) . يعني الذين صدقوا أقوالهم بأفعالهم، يعني قد يقولوا قولًا ولا يفعل ما يوافق هذا القول يكون كاذبًا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2] إذا قال قولًا ولم يفعل بموجب هذا القول فهو كاذبٌ، إن وافق القولُ الفعلَ والفعلُ القولَ حينئذٍ كان صادقًا، إذًا الصدقين الذين صدقوا أقوالهم بأفعالهم، فالصديق المبالغ في الصدق كما في الحديث «إن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا» أو المبالغ في التصديق كما سُمِّيَ أبو بكرٍ الصديق، إذًا إما من الصدق وهو مطابقة الأقوال للأفعال والعكس، وإما من التصديق يعني للرسل والشرع، إما من هذا أو ذاك يحتمل، ولو حُمِلَ على المعنيين لما سبق فلا إشكال فيه.
قال ابن القيم: الصِّدِّيق فِعِّيل هذا أبلغ من الصدوق، والصدوق أبلغ من الصادق. عندنا ثلاث عبارة، الصادق اسم فاعل، وصدوق فعول، وصديق هذا فيه زيادة على الصدوق أيهما أبلغ؟ الصدِّيق لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، يعني الصديق أكثر حروفًا من الصدوق، والصدوق فعول صيغة مبالغة فهو أكثر من الصادق لأنه اسم فاعل كما في قوله الأسماء الباري جل وعلا القادر والقدير والمقتدر، القادر هذا أدناها من حيث المعنى، وإذا جئنا بالعكس أحسن نقول: المقتدر أعلاها، ثم القدير، ثم القادر. على ما ذكره رحمه الله تعالى. قال ابن القيم رحمه الله تعالى فأعلى مراتب الصدق: الصِّدِّقِيَّة وهي كمال الانقياد للرسول - صلى الله عليه وسلم - مع كمال الإخلاص للمرسِل، قال تعالى: {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33] هذه جعلها ابن عثيمين رحمه الله تعالى أحسن ما يعرف به الصَّدِّيق من هو الصديق؟ كما قال تعالى: {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِه} ، {جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} يعني جمع بين ماذا؟ الصدق والتصدق وقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} [الحديد: 19] فمن حقق الإيمان ولا يتم تحقيق الإيمان إلا بالصدق والتصديق فهو صديق، وأفضل الصدقين على الإطلاق أبو بكرٍ رضي الله تعالى عنه لأن أفضل الأمة من هذه الأمة وأفضل هذه الأمة بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم - أبو بكرٍ رضي الله تعالى عنه. والصِّدِّيقيِّة مرتبة تكون للرجال والنساء ليس خاص بالرجال قال تعالى في عيسى ابن مريم: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} [المائدة: 75] ويقال الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما. قوله: (وَالشُّهَدَاءِ) الشهيد هو المقتول في سبيل الله، قيل: سُمِّيَ بذلك لأن الله وملائكته شهدوا له بالجنة أو لأن ملائكة الرحمة تشهده أي تحضره. قال العلماء: والشهيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام - يعني باعتبار الدنيا والآخرة:
الأول: شهيد في الدنيا والآخرة. جمع بين الخيرين وهو المقتول في سبيل الله في حرب الكفار. المقتول في سبيل الله يعني مخلصًا لله عز وجل جمع بين الأمرين، وفي حرب الكفار.