الصراط تارةً يُضاف إلى الله سبحانه وتعالى إذ هو الذي شرعه ونصبه يعني وضعه، وأنه موصلٌ إليه كقوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي} [الأنعام: 153] أضاف لنفسه {مُسْتَقِيمًا} ، وتارةً يضاف للعباد {صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي} [الشورى: 53] وتارةً يضاف إلى العباد لكونهم أهل سلوكه فهو صراط الله باعتبارَيْنِ، وصراط المؤمنين باعتبارٍ واحد. صراط الله باعتبارين لماذا؟ لأنه وضعه لعباده يعني شرعه لعباده وأنه موصلٌ إليه، وصراط المؤمنين لأنهم هم الذي يسلكونه وحدهم. إذًا إذا أضيف إلى المؤمنين لكونهم هم السالكون، وإذا أضيف إلى الباري جل وعلا لأمرين: لكونه هو الذي وضعه، ثم يوصل إليه. أفاده ابن القيم رحمه الله تعالى.
وفي قوله: (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم) إشارةٌ إلى أنهم إنما استحقوا الأنعام المطلق بسبب سلوكهم هذا الصراط، وفيه إشارة ٌإلى وجوب توحيد هذا الصراط بالسلوك، وأن لا صراط موصل للسعادة سوى هذا الصراط.
قال ابن القيم في (( الكافية ) )رحمه الله تعالى:
فلواحد كن واحدًا في واحدٍ أعني سبيل الحق والإيمان
واحد، واحد، واحد، واحد الأول: أراد به الله عز وجل، فلواحدٍ أي لله عز وجل، كن واحدًا أي في قصدك وإيرادك وتوجهك، في واحدٍ يعني في طريقٍ واحد. ولذلك فسّره بقوله: أعني بالواحد الأخير أعني سبيل الحق والإيمان. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (( مدارج السالكين ) ): والهدى التام يتضمن توحيد المطلوب وتوحيد الطلب. توحيد المطلوب يعني المقصود، وتوحيد الطلب يعني القصد، وتوحيد الطريق يعني توحيد الإتباع الذي عُنِيَ به المتابعة كما قال بعضهم. وتوحيد الطريق الموصلة والانقطاع وتخلف الوصول يقع من الشركة في هذه الأمور أو في بعضها، فالشركة في المطلوب تنافي التوحيد والإخلاص، والشركة في الطلب تنافي الصدق والعزيمة، والشركة في الطريق تنافي إتباع الأمر.
فالأول - يعني الشركة في المطلوب - يوقع في الشرك والرياء.
والثاني - الذي هو الشركة في الطلب - يوقع في المعصية والبطالة. والثالث - الذي هو شركة في الطريق - يوقع في إتباع البدعة ومفارقة السنة. فتأمل.
فالتوحيد المطلوب يعصم من الشرك والرياء، وتوحيد الطلب يعصم من المعصية، وتوحيد الطريق يعصم من البدعة. والشيطان إنما ينصب فخه بهذه الطرق الثلاثة.
قوله: (مِّنَ النَّبِيِّينَ) الذين اختصهم من خلقه وشرفهم برسالته ونبوته وقد تقدم الكمال على الأنبياء، وهم كل من أوحى الله إليهم ونبأهم فيشمل الرسل دخل فيه، لأن كل رسولٍ نبيٍّ، ولا العكس، يعني ليس كل نبيٍّ رسولًا، وعلى هذا فيكون النبيون شاملًا للرسل أولي العزم وغيرهم، شاملًا أيضًا للنبيين الذين لم يُرسلوا وهؤلاء أعلى الأصناف يعني أصناف الخلق، النبيون والرسل أعلى الأصناف.