الصفحة 231 من 883

فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل هذه النعمة المطلقة وأصحابها هم المعنيون بقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ} [المائدة: 3] {لَكُمْ} الضمير دخل فيه الأربعة {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} من المخاطب هنا؟ المخاطب هم الأصناف الأربعة المذكورة، فأضاف إليهم الدين إذ هم المختصون بهذا الدين القيم دون سائر الأمم، وأما مطلق النعمة إذًا نعمةٌ مطلقة ومطلق النعمة، وأما مطلق النعمة فعلى المؤمن والكافر، فما تصلح به الأبدان يشترك فيه المسلم والكافر، وما تصلح به الأرواح والقلوب هذا من خصائص المؤمنين، فكل الخلق في نعمته، فالنعمة المطلقة لأهل الإيمان، ومطلق النعمة يكون للمؤمن والكافر. انتهى ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى.

وفي قوله: (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم) هذا فيه تنبيه على هذا على الرفيق في هذا الطريق أنعم عليهم جمعٌ. إذًا ليس وحده قد يكون معه غيره، وأنهم هم الذين أنعم الله من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ليزول عن سالك هذا الطريق وحشة التفرد عن أهل زمانه وبني جنسه إذا استشعر أن رفيقه في هذا الصراط هم الأنبياء والشهداء والصالحون. إذًا الرفيق لا يستلزم أن يكون حيًّا بل قد يكون ميتًا، فيستحضر بقلبه ولو كان صاحب سنةٍ وحده ولم ينضم معه غيره يستحضر ماذا؟ الأنبياء والرسل السابقين والشهداء والصالحين فإنهم معه كما قال بعض السلف: لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين. وقال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سبأ: 20] . {فَرِيقًا} قليلًا. وقال: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] . {وإن نطع وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ} [الأنعام: 116] . قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه (( مسائل التوحيد ) ): وفيه عمق علم السلف وهو عدم الاغترار بالكثرة، الكثرة ليست ميزان لمعرفة الحق، الحق هو ما وافق الكتاب والسنة وإن كنت وحدك ولو خالفك أهل الأرض كلهم لماذا؟ لأن العبرة هنا ليست بالكثرة، بل بعضهم جعل الكثرة علامة الباطل لأن الله تعالى ذمَّها {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 6] ، ولكن أكثر الناس لا يعقلون، وغير ذلك، فإذا وجدت نفسك مع السواد الأعظم فاعلم أنك ليست على حقٍّ هكذا قال بعض أهل العلم. والله المستعان. وعدم الزهد في القلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت