أنه قد كان بعض الصحابة أنه كان قد تأخذه عينه وهو ينتظر الصلاة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - نقول: هذا يسمى نعاسًا ولا يُسمى نومًا على خلاف في المسألة. إذًا النوم ثِقَل في الرأس، والسِّنة في العين والنوم في القلب.
قال الشوكاني في تفسير (( الفتح القدير ) ): والذي ينبغي التعميم عليه في الفرق بين السِّنة والنوم أن السِّنة لا يُثقل معها العقل، إدراك يعني، بخلاف النوم فإنه استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الأبخرة حتى يُفْقَد معه العقل، بل وجميع الإدراكات وسائر المشاعر، يعني على التفصيل الذي ذكرناه، السِّنة لا يفقد معه العقل، بمعنى أنه يشعر بنفسه، وأما النوم فهذا لا يشعر بنفسه، على هذا المعنى الذي ذكره الشوكاني كأنه يرى أن النوم كله ناقض، لأنه لا يكون إلا بفقد المشاعر، وإذا كان كذلك قد ينام ويخرج منه حدث فلا ينتبه لذلك، والمراد أنه لا يعتريه سبحانه شيء منهما لا السِّنة ولا النوم، وهو تأكيد للقيوم، أي أنه سبحانه لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول ولا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافية، كما في الصحيح من حديث أبي موسى قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربع كلمات. قام فينا في مثل هذا المقام، يعني خطيبًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينام» . هذا نفي، نفي لمعين، يعني نفي المفصل، «ولا ينبغي له أن ينام» . لا ينبغي في الكتاب والسنة ليست هي التي عند الفقهاء، وإنما هي أشد التحريم أشد المنع أقصى ما يكون من المنع يعبر عنه في الكتاب والسنة بماذا؟ لا ينبغي وما ينبغي، {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم: 92] «ولا ينبغي» . يعني أشد ما يكون من المنع هو هذا الأمر المذكور، هنا قال: «ولا ينبغي له» للباري جل وعلا، «أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النار» ، أو قال: «النور لو كشفه لأحرق سُبْحَاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه له ما في السماوات وما في الأرض ملكًا وخلقًا وعبيدًا» . الشاهد من قوله: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» . ثم بعد ذلك قال: «يخفض القسط ويرفعه» .. إلى آخره، هذا من مفردات القيوم لأنه هو المدبر لخلقه، هو المتصرف في شؤون أمورهم فإن ذلك أي النوم وسيلة نقص في حياته وقيوميته، ولهذا أردف هذين الاسمين بنفي السنة والنوم فقال: {اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة: 255] . إذًا لو لم يرد من باب التَّنَزّل {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} هل يفهم من قوله: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} ؟ نعم يُفهم، لأن الحياة المراد بها ماذا؟ كاملة، فلو كان ينام ليست حياة كاملة، {الْقَيُّومُ} معناه الذي لا يغيب عنه شيء من أمر خلقه، فلو كان ينام ما درى حينئذٍ نقول: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} يدل على ما دلت عليه هذه الجملة، بل هو قائمةٌ على كل نفسٍ بما كسبت شهيدٌ على كل شيء ولا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافية، وقدَّمَ السِّنَة على النوم. هنا فائدة: وقدَّمَ السِّنَة على النوم لكونها تتقدمه في الوجود.