الصفحة 327 من 883

قال الخطابي: الأول هو السابق للأشياء كلها - وهو كذلك، وهذا لا ينافي الذي ليس قبله شيء لأننا قلنا: ليس قبله شيء معناه ماذا؟ أن كل أثرٍ في الوجود فهو صادرٌ عنه جل وعلا، وهذا معنى كلام الخطابي هنا: هو السابق للأشياء كلها الكائن الذي لم يزل قبل وجود الخلق. الكائن يعني الموجود. الموجود الذي لم يزل قبل وجود الخلق فاستحق الأَوَّلِيَّة إذ كان موجودًا ولا شيء قبله ولا معه.

وقال الفراء: قوله عز وجل: {هُوَ الْأَوَّلُ} [الحديد: 3] . يريد قبل كل شيء {وَالْآخِرُ} بعد كل شيء. على المعنى السابق فهو سبحانه أول ليس له بداية، وحينئذٍ يكون هذا موافقًا للمعنى السابق، وأما ما عَبَّر به بعضهم عن الأول بالقديم هذا قلنا كما سبق: أنه ليس من أسماء الباري جل وعلا القديم، وإنما ذكره مَنْ ذكره من باب الإخبار لا من باب الأسماء، وأما القديم فقد ذكره بعض المتكلمين في أسماء الله تعالى، والصواب أنه ليس من أسمائه سبحانه، لماذا؟ لأنه لم يرد، وإذا لم يرد يكفي أن نرد الاسم، لأنه لم يرد دليلٌ في تسميته سبحانه بذلك، ثم من حيث المعنى أسماء الباري جل وعلا لا بد أن تكون مشتملةً على معنًى حسن، بل هو أحسن للآية السابقة: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الأعراف: 180] . ثم إن كان اللفظ له معنًى حسن ومعنًى ليس بحسن حينئذٍ لا يصح إطلاقه بمطلقه على الباري جل وعلا، فلا بد من النظر فيه، ولَمَّا احتمل للمعنيين القدم الحقيقي والنسبي كما سيأتي، فحينئذٍ نقول: لا يجوز أن يعتبر اسمًا، وإنما إذا ذكر من باب الإخبار فيراد به الإخبار بالمعنى الصحيح، المعنى اللائق بالباري جل وعلا الذي يوافق قوله: {الْأَوَّلُ} . ولذلك أهل السنة والجماعة لا يذكرون القديم وإنما يقولون: الأول. لأن من ذكر القديم وأراد به أنه ليس قبله شيء حينئذٍ نقول: هذا المعنى جاء اللفظ الدال عليه بلفظٍ أحسن مما ذَكَرْتَهُ، وهو ماذا؟ وهو الأول فلا عدول عن ما سمى الله تعالى به نفسه، وما أردتَه من معنًى حينئذٍ نقول: لا نعدل عما جاء به الشرع إلى ما ذكرتَه. ولأن القدم ينقسم إلى قسمين: - قدمٌ حقيقي ويسميه بعضهم القدم المطلق.

-وقدمٌ نسبيّ.

حقيقيّ ونسبيّ، فالقدم الحقيقي، وهو المطلق يعني مطلق من الزمن، فهو قدمٌ على جميع الأشياء هو الذي لم يسبقه عدم، يُسمى قدمًا ماذا؟ حقيقيًّا، القدم الحقيقي الذي لم يسبقه عدم، وهذا قد يقال بأن قريبٌ من معنى الأول الذي جاء في النص السابق.

والنسبيّ القدم النسبيّ: هو قِدَم المخلوقات على بعض، يعني باعتبار ما بعده، وقد يكون مسبوقًا بما قبله، أليس كذلك؟ فأبوك مثلًا قديمٌ باعتبارك أنت، وأنت قديمٌ باعتبار ابنك، وهكذا فالمخلوقات باعتبار ما بعدها نقول: هذا قديم، أما باعتبار ما يسبقها أو لا؟ هذا لا يكون مرادًا هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت