إذًا ارتفاع المتينُ على أنه وصف للرزاق، أو لذو، ( {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} ) نعت لذو بمعنى صاحب، أو خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر، أربعة أوجه كلها جائزةٌ، قرأ الجمهور ( {الْمَتِينُ} ) بالرفع، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش بالجر صفةً للقوة (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينِ) لكنها مردودة عليه، والتذكير لكون تأنيثها غير حقيقي. قال الفراء: كان حقه المتينَ. لو كان نعتًا لقوله: ( {الْقُوَّةِ} ) . ذو القوةِ المتينِ لا يصح، لماذا؟ لأن القوة مؤنث، والمتين لفظ المتين مذكر، وشرط النعت والمنعوت ماذا؟ تطابق تذكيرًا وتأنيثًا، حينئذٍ كان حقه أن يقول: ذو القوةِ المتينةِ. لكنه ما قال المتينةِ، وإنما قال: ( {الْمَتِينُ} ) . فدل على ماذا؟ على أنه ليس صفةً للقوة، لذلك أنكر أكثر القراء، يعني ممن يحتج بقولهم في هذا المقام أنكروا قراءة الخفض. قال ابن جرير: والصواب في القراءة في ذلك عندنا ( {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} ) رفعًا. الصواب، إذًا عندنا صواب يقابله خطأ، والصواب في القراءة في ذلك عندنا ( {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} ) رفعًا على أنه من صفة الله جل ثناؤه بإجماع الحجة من القراء عليه، وأما يحيى بن وثاب والأعمش هذه من القراءات الشاذة تعتبر عندهم، يمكن يستأنس بها في فهم المعاني، أما أنها حجة في القراءة فلا، بإجماع الحجة من القراء عليه، وأنه لو كان من نعت القوة لكان التأنيث به أولى، بل هو آكد، وإن كان للتذكير وجه. قال الفراء: قرأ يحيى بن وثاب المتينِ بالخفض جعله من نعت القوة، والمتين المراد به الذي له كمال القوة.
قال ابن قتيبة: المتين الشديد القوي، فهو أخص من القوي، القوي أعم، المتين الشديد القوي. وقال البيهقي: القوي التام القدرة لا يُنسب إليه عجز في حال من الأحوال، فالقوة تدل على القدرة التامة، والمتانة تدل على شدة القوة لله تعالى. فهذه الآية فيها إثبات اسمين لله تعالى، وهما أو ثلاثة.
والمتين، بقي واحد.
( {إِنَّ اللَّهَ} ) نعم الله، اسم من أسمائه جل وعلا، لكن لا يُذكر لماذا؟ لأنه مر معنا وهو معلوم، لكن الجديد هو الرزاق والمتين، فإذا قلنا: المتينِ على قراءة يحيى بن وثاب والأعمش، حينئذٍ ليس عندنا إلا اسم واحد وهو الرزاق مع لفظ الجلالة، إذًا هذه الآية فيها إثبات اسمين لله تعالى وهما: الرزاق، والمتين. وكم صفة؟
الصفة الأولى الرزاق.
الرَّزق، طيب الرَّزَّاق دل على صفة الرَّزْقِ، الثانية؟
ذو القوة، القوة، الثالثة؟
المتين، وإذا نظرنا إلى لفظ الجلالة الله الصفة الرابعة وهي الألوهية، طيب الرَّزَّاق الرزق صفة فعلية أم ذاتية؟
فعلية، صفة فعلية، قال: وثلاث صفات صفة الرَّزَّاق أو الرَّزْق، وهي من الصفات الفعلية، وفيها إثبات صفة القوة وهي من الصفات الذاتية وما تضمنه اسم المتين الشديد القوي، [حينئذٍ قال:] كذلك من الصفات الذاتية، إذًا صفة فعلية وصفتان ذاتيتان، والألوهية صفة ذاتية.
ثم قال: (وَقْوِلِهِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] ) . نقف على هذا، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.