الصفحة 398 من 883

على القاعدة المطردة عند الأصوليين أَنَّ (إِنَّ) بعد الأمر تعليل، فهذا ثواب المحسنين أن الله تعالى يحبهم، هذه الآية وأمثالها دليلٌ على أن الله موصوفٌ بالمحبة، وأنه يحب حقيقة، لو قيل: ما المراد بالمحبة؟ نقول: المحبة المحبَة. يعني لا تحتاج إلى تفسير كما نقول: العلم هو العلم، والإرادة هي الإرادة، والسمع هو السمع، والبصر هو البصر، مدرك بالعقل البدهي. ولذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في (( المدارج ) )أورد أكثر من عشرين تعريفًا للمحبة، ثم قال: وأحسنها وأجودها أن المحبة هي المحبة. إذًا لا تحتاج إلى تعريف، والشيء الظاهر البين إذا أريد تعريفه صار مغلقًا صار خفيًّا، حينئذٍ لا نحتاج إلى تعريفها، وأنه يحب حقيقةً فمحبته سبحانه كما يليق بجلاله، وفيها دليلٌ على أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها فهو محسنٌ يحب المحسنين، ومؤمنٌ يحب المؤمنين، وفي هذه الآية وأمثالها دليلٌ على أن محبته سبحانه وتعالى تتفاضل لأن أهل الإيمان يتفاضلون، وأهل الإحسان يتفاضلون، إذًا المحبة تكون تابعةً لتفاضل أهل الإيمان في إيمانهم وأهل الإحسان في إحسانهم، فيحب بعض المؤمنين أكثر من بعض، وفيه إشارةٌ لأن الجزاء من جنس العمل وأن الإحسان أعظم سببٍ لمحبة الله تعالى للعبد، وفيها أدلةٌ واضحةٌ على إثبات فعل العبد وكسبه ( {يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ) الإحسان هنا منسوبٌ إلى من؟ مضاف إلى العبد حينئذٍ يكون فعلًا له كما أن المحبة أضيفت إلى الباري جل وعلا فتكون فعلًا له ووصفًا له جل وعلا، وأنه يثاب على حسنه ويعاقب على سيئه وفيها إثبات العلة والحكمة لقوله: ( {وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ) .

نقف على هذا، والله أعلم.

وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت