الآية الأولى قوله تعالى: ( {وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ) . ( {وَأَحْسِنُوَاْ} ) هذا أمرٌ بالإحسان، وهو أعلى مقامات الطاعة، وهو الإتيان بالعمل على أحسن أحواله وأكملها، وهذا أمرٌ عامٌ بالإحسان. ( {وَأَحْسِنُوَاْ} ) أطلق أحسنوا في ماذا؟ في عبادة الباري جل وعلا؟ في معاملة الخلق؟ أطلق، حينئذٍ نقول: حذف المتعلق يدل على ماذا؟ على العموم، فحينئذٍ أحسنوا في عبادة الله تعالى، وأحسنوا في معاملة الخلق، ولذلك قلنا: ( {وَأَحْسِنُوَاْ} ) هذا أمرٌ عام بالإحسان في معاملة الله تعالى أي في عبادته وفي معاملة خلقه، لأن القاعدة هنا أن حذف المعمول يؤذن بالعموم، والإحسان في عبادة الله بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث جبريل المشهور قال له جبريل لما سأله ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . هذا الإحسان في عبادة الله جل وعلا، وأما الإحسان في معاملة الخلق قيل فيه حدودٌ كثيرة أشهرها ما ذكره ابن القيم في (( المدارج ) )وغيره هو بذل الندى - يعني المعروف -، وكف الأذى وطلاقة الوجه. بل يشمل الإحسان كذلك الإحسان في معاملة البهيمة جاء في حديث شداد بن أوس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله كتب الإحسان» . «كتب» بمعنى فرض هذا الأصل فيه، فهو موافقٌ لقوله: ( {وَأَحْسِنُوَاْ} ) . والكتب بمعنى الفرض «إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» . رواه مسلم. هذا الحديث كالآية فيهما دليلٌ على الأمر بالإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيءٍ بحسبه، فالإحسان في معاملة الباري جل وعلا بحسبه، والإحسان في معاملة الخلق بحسبه، والإحسان في معاملة البهيمة بحسبها. وقوله: ... ( {وَأَحْسِنُوَاْ} ) . أمر والمأمور به قد يكون واجبًا وقد يكون مندوبًا إليه فهو مستعملٌ في الإيجاب والندب على الصحيح لأن صيغة افْعَلْ قد تستعمل في الإيجاب والندب معًا، استدل بذلك الإمام أحمد بقوله: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: 77] . قال: {وَافْعَلُوا} الأصل فيه ماذا للوجوب والإيجاب لكن {الْخَيْرَ} هنا منه ما هو واجبٌ ومنه ما هو مستحبٌ، حينئذٍ نقول: {وَافْعَلُوا} . دل على الإيجاب والندب معًا في هذا الموضع، لأنه قال: الأصل فيه أن يحمل على الإيجاب، وإذا وجدت قرينة صرف إلى ماذا؟ إلى الندب، يرد السؤال هل يستعمل مشتركًا في الإيجاب والندب؟ نقول: نعم، الصواب أنه يستعمل، المسألة خلافية والصواب ما ذكرناه. ضابط الإحسان الواجب هو ما يتوقف عليه أداء الواجب وما كان زائدًا على ذلك فهو مندوبٌ إليه. قوله: ( {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ) . هذا محل إرشاد ( {يُحِبُّ} ) من؟ الله تعالى، حينئذٍ فيه ماذا؟ الأول فيه تعليل، قال: ( {وَأَحْسِنُوَاْ} ) لماذا؟ لأن الإحسان محبوبٌ إلى الباري جل وعلا، ومن اتصف بالإحسان فيحبه الله تعالى، فيه تعليل، وقلنا: فيما مر أن الحكم الشرعي مُعَلَّل كما أن الحكم الكوني كذلك مُعَلَّل، فقوله: ( {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ) .