الصفحة 396 من 883

وحاصل ما ذُكِر أن الإرادة عند أهل السنة والجماعة صفة قائمة بالله تعالى وهي من الصفات الذاتية، فالله تعالى لم يزل مريدًا ولم يزل شائِيًا فلا ينفك عن هذا الوصف، يعني: بالإرادة والمشيئة وهي متعلقة بكل المرادات فهي قديمة النوع متجددة الآحاد.

ثم هي نوعان: إرادة قدرية كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية.

فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضا.

والكونية هي المشيئة الشاملة في جميع الحوادث التي لا بد لكل شيء منها، ولا محيص ولا محيد لأحدٍ عنها، وهي مشيئةُ الله تعالى الشاملة، وقدرته النافذة فما شاء الله تعالى كان، وما لم يشأ لم يكن فهو سبحانه فعالٌ لما يريد، ولا نفوذ لإرادة أحدٍ إلا أن يريد، وما من حركةٍ ولا سكونٍ في السماوات ولا في الأرض إلا بإرادته ومشيئته، ولو شاء عدم وقوعها لم تقع، وورود ذلك في نصوص الكتاب والسنة أكثر من أن يُحصى، وهذا كقوله تعالى: ( {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ} [الأنعام: 125] ) . الآية السابقة وقوله تعالى عن نوحٍ عليه السلام لقومه: {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود: 34] . وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253] . {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [البروج: 16] . ومر كلام ابن القيم رحمه الله تعالى وقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفِّقهه في الدين» ، وقوله: «من يرد الله به خيرًا يُصب منه» . وأما الإرادة بالدينية الشرعية فكقوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [التوبة: 185] ، {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [النساء: 26] ، وقوله: {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] في آياتٍ كثيرة في كتابه، وكذلك ما جاء في السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالإرادة الكونية ما وُجِد فيها شيئان: الأول: ربما تكون محبوبةً إلى الله تعالى، وربما لا تكون محبوبة. يعني: الإرادة الكونية لا يلزم منه ماذا؟ المحبة والرضا، الإرادة الكونية لا بد أن يقع مرادها ولا يمكن أن يتخلف عنها البتة، فصار الفرق بين إرادتين من وجهين:

الأول: الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والإرادة الشرعية لا يلزم.

الثاني: الإرادة الشرعية تختص فيما يحبه الله تعالى ويرضاه، والإرادة الكونية عامة فيما يحبه وما لا يحبه. فأراد كونًا بمعنى شاء، وأراد شرعًا بمعنى أحب، أراد كونًا بمعنى شاء فما مترادفان، وأراد شرعًا بمعنى أحب، هذا ما يتعلق بالإرادة.

ثم قال رحمه الله تعالى: (وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] .) . هذا شروعٌ من المصنف في ذكر صفة المحبة، قلنا: ذكرها بعد آيات المشيئة والإرادة للدلالة على أن بينهما فرقًا، وذكر سبع آيات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت