الصفحة 395 من 883

وأما النوع الثاني فهي هداية عامة، هذه تكون في الكتاب والسنة من الباري جل وعلا، وتكون على أيدي الأنبياء والرسل والعلماء وطلاب العلم وكل مسلم، وهي المرادة بقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . فالنبي - صلى الله عليه وسلم - هو المبين عن الله تعالى، والدال على دينه وشرعه، وكذلك الأنبياء وأتباعهم وهذه الهداية لا تستلزم الاهتداء، يعني قد تنصح وتبين لكن لا يقبل، حينئذٍ نقول: هذه الهداية لا تستلزم الاهتداء، المراد بالاهتداء بالفعل، لأن ذلك محله القلب، والقلب لا تصرف فيه إلا من جهة الباري جل وعلا، فكل مخلوق ولو كان ملكًا أو نبيًّا لا أثر له على القلوب البتة، وهذه الهداية لا تستلزم الاهتداء، ولهذا ينتفي معها الهدى كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] . اجتمعا هنا في هذا الموضع {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} ماذا يعني؟ بَيَّنَّا لهم وأرشدناهم لكن استحبوا العمى على الهدى، يعني قبول ما جاء على ألسنة رسله جل وعلا، أي بيَّنَّا لثمود وأرشدناهم فلم يهتدوا، يعني لم يقبلوا ويكونوا مهتدين بالفعل. فالهداية المنفية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره هي هداية التوفيق والقبول، وأما المثبتة له في غيره من الأنبياء والمرسلين وأتباعه فهي هداية الدلالة والإرشاد، ففرق بين النوعين.

وفي الآية المتقدمة إثبات الصفات الفعلية كما مرّ، وأنها تنقسم إلى قسمين: متعدية ولازمة.

فالمتعدية ما تعدى إلى مفعول مثل خلق ورزق وهدى وأضل، خلق من؟ المخلوقين كذلك رزق وهدى وأضل، واللازمة كقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} ، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ، {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} . إلى غير ذلك مما لا يُحْصَى من النوعيين.

إذًا أفعال متعدية وأفعال لازمة، والنظر هنا يكون بماذا؟ باعتبار تعدِّيها إلى مفعول، كما تعدت إلى مفعول فهو متعدي كـ رزق وخلق وهدى وأضل، وما كان لازمًا فهو الذي لا يتعدى كـ استوى وجاء.

ذكر المصنف رحمه الله تعالى الآيات في إثبات المشيئة والإرادة، ثم ذكر بعدها الآيات في إثبات المحبة والرضا، وهذا مقصود من المصنف رحمه الله تعالى إشارة إلى الرد على من زعم التسوية بين النوعين، وليس ثَمَّ تسوية بين النوعين، وأن المحبة والرضا والمشيئة متلازمان، ولا شك في بطلان هذا القول وفساده، لا شك أن القول بأن التسوية بين أو بأن المحبة والرضا بمعنى المشيئة فهذا قول باطل، ولا شك في بطلان هذا القول وفساده فالأدلة الكثيرة دلت على الفرق بين محبته ورضاه وإرادته.

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: فأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله يحب ويرضى. كما دل على ذلك الكتاب والسنة، ويقولون: إن المحبة والرضا أخص من الإرادة. فيقولون: إن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يرضاه، وإن كان داخلًا في مراده. يعني الإرادة الكونية كما دخل سائر المخلوقات لما في ذلك من الحكمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت