قال الزجاج: ومعنى الغفر في حق الله سبحانه وتعالى هو الذي يستر ذنوب عباده ويغطيهم بستره. وقال الخطَّابي: فالغفار الستار لذنوب عباده، والمسدل عليهم ثوب عطفه ورأفته. ومعنى الستر في هذا أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه، ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تُشْهِرْهُ في عيونهم. حصل فيه معنى التجاوز. وقال ابن السعدي رحمه الله تعالى: العفو الغفور الغفار الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا، كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته كما هو مضر إلى رحمته وكرمه، وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها) ليست مطلقًا، قال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] . هذه كلها أسباب للمغفرة.
قوله: ( {الْوَدُودُ} ) . من أسمائه تعالى ورد في القرآن مرتين {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج: 13، 14] الآية التي معنا، {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 90] ، وهو من الوُدِّ، الودود مأخوذ من الوُدِّ وهو خالص الحب وألطفه وأرقه، إذًا أيهما أخص من الآخر؟ أيهما أعم المحبة أم الود؟ قلنا: خالص المحبة
يعني: لُب المحبة، إذًا الودود هذا أخص، وهو من الوُدّ وهو خالص الحب وألطفه وأرقه، والودود من صفات الله سبحانه وتعالى أصله من المودة وهي المحبة. قال ابن عربي: اتفق أهل اللغة على أن المودة هي المحبة، والمحبة هي المحبة والمودة هي المودة. يعني: من حيث التعريف، يقال: وَدِدت الرجل أَوَدُّهُ وُدًّا إذا أحببته، والْوُدُّ وَالْوَدُّ وَالْوِدُّ يعني مثلث الواو، الْوُدُّ بضم الواو، وَالْوَدُّ وَالْوِدُّ هذه ثلاثة كلها بمعنى واحد المودة، والودود المحب، يعني يأتي بمعنى اسم الفاعل الْمُحِب ويأتي بمعنى اسم المفعول الْمُحَب وكلاهما من صفات الله تعالى فهو يُحِبُّ وَيُحَبُّ، والودود المحب، أي المتودد إلى عباده بنعمه الذي يَوَدّ من تاب إليه وأقبل عليه، وهو أيضًا الودود أي المحبوب. قال البخاري في صحيحه: الودود الحبيب.
والتحقيق أن اللفظ يدل على الأمرين معًا على كونه وادًّا لأوليائه ومودودًا لهم، وادًّا يعني اسم فاعل لأن فَعُولًا في لسان العرب يأتي بمعنى اسم الفاعل ويأتي بمعنى اسم المفعول، فهو وادٌّ وهو مودود.
قال ابن جرير: ودودٌ يقول ذو محبةٍ لمن أناب وتاب إليه يَوَدُّه ويحبه. وقال في قوله تعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} يقول تعالى ذكره وهو ذو المغفرة لمن تاب إليه من ذنوبه وذو المحبة له. قال الزجاجي في معنى اسمه تعالى الودود: فيه قولان وكلاهما صحيحان. يعني: فيه توجيهان ليس قولان متقابلان، فيه قولان: أحدهما أنه فَعُول بمعنى فَاعل كقولك غفور بمعنى غافر، وكما قالوا: رجل صَبُورٌ بمعنى صابر، وشكور بمعنى شاكر، فيكون الودود في صفات الله عز وجل على هذا المذهب أنه يود عباده الصالحين ويحبهم، فهو فاعل الوُدِّ، والوِدُّ والمودة والمحبة في المعنى سواء، هكذا قال الزجاجي، فالله عز وجل ودود لأوليائه والصالحين من عباده، وهو محب لهم، هذا القول الأول فعول بمعنى فاعل، وهو صحيح ثابت في حق الله جل وعلا.