وهو قول جميع السلف وهو متفقٌ عليه أنها صفةٌ ذاتيةٌ باعتبار الأصل وقديمة النوع حادثة الآحاد، وهي كذلك تتفاضل باعتبار تفاضل ما تعلقت به.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج: 14] .) هذه جعلها بعض الشراح تابعةً للآيات المتعلقة بإثبات صفة المحبة، لأن ( {الْوَدُودُ} ) المراد به أنه نوعٌ من أنواع المحبة ( {وَهُوَ الْغَفُورُ} ) الغفور اسمٌ من أسمائه تعالى، ورد في القرآن في إحدى وتسعين آية، منها قوله تعالى: {أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الشورى: 5] ، {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر: 49] . وهو من أبنية المبالغة، أي كثير المغفرة، من أمثلة المبالغة أي كثير المغفرة، وأصل الغَفْرِ التغطية والستر هذا الأصل فيه، ومنه الْمِغْفَر. الْمِغْفَر الذي يُوضع في الحرب على الرأس يستر ويقي لا بد من أمرين، يعني الْمِغْفَر لا يكون ساترًا فقط، وإنما يكون ماذا؟ يكون ساترًا ويقي صاحبه وإلاَّ لَسُمِّيَ هذا مِغْفَرًا ولا يسمى مِغْفَرًا ليس كل ما يستر يكون يسمى مِغْفَرًا، إذًا أصل الغَفْرِ التغطية والستر، ومنه المغفر فهو سبحانه وتعالى يغفر لمن تاب إليه أي يستر ذنوبه ويتجاوز عن خطاياه، يستر ويتجاوز، لا بد من أمرين، الستر مع المجاوزة.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: المغفرة محو الذنب وإزالة أثره ووقاية شره، ومنه الْمِغْفَر لِمَا يَقِي الرأس من الأذى، لا كما ظنه بعضهم الستر، فالعمامة لا تسمى مِغْفَرًا مع سترها فلا بد في لفظ الْمِغْفَر من الوقاية. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
و ( {الْغَفُورُ} ) أبلغ من الغافر لأن فعولًا موضوعٌ للمبالغة، والْغَفَّار أي السَّتَّارُ لذنوب عباده أبلغ من الغفور. إذًا عندنا غفور وعندنا غافر وعندنا غَفَّار ثلاثة أيهما أبلغ؟ غَفَّار أبلغ من غفور، وغفور أبلغ من غافر، والغفور أبلغ من الغافر لأن فعول موضوع للمبالغة بخلاف غافر فهو اسم فاعل لا يدل على التكرار، أي الستار لذنوب عباده أبلغ من الغفور لأنه للتكثير من غير حصر، وقد جاء في التنزيل الغفور والغفّار والغافر وكلها من أسمائه تعالى كلها ثابتة في القرآن، والغفار ورد في خمس آيات منها قوله: {أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} [الزمر: 5] ، {إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] . والغفار أبلغ من الغفور وكلاهما من أبنية المبالغة إلا أن الغفار أبلغ من الغفور كما مَرَّ، وأما الغافر فقد ورد مرةً واحدةً في القرآن في قوله: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} [غافر: 3] .