الصفحة 408 من 883

وأفادت أيضًا إثبات فعل العبد حقيقةً كما أفادت أن الأعمال الصالحة سبب للسعادة في الدنيا والآخرة، ولذلك يُعلِّق الباري جل وعلا الأحكام على أوصافٍ {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] لإيمانهم، {يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} [البقرة: 222] لتوبتهم، يحب المحسنين لإحسانهم، تعليق الحكم على المشتق يؤذن بماذا؟ تعليق الحكم على المشتق يؤذن بعِلِّيَّة ما منه الاشتقاق، يعني الحكم هنا مرتب لماذا؟ ما العلة؟ تأتي بما اشتق منه هذا اللفظ المشتق {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} المؤمنون اسم فاعل جمع مؤمن مؤمنون جمع مؤمن واسم فاعل مشتق من ماذا؟ من الإيمان، إذًا تجعل الإيمان علة {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} لماذا؟ لإيمانهم، يحب المحسنين لماذا؟ لإحسانهم من أين أخذته؟ من تعليق الحكم وهو المحبة يحب هذا فعل وهو خبر في المعنى حكم في المعنى، والمحسنين هذا محكومٌ عليه في المعنى، فحينئذٍ تجعله علة له، يحب المحسنين لإحسانهم .. وهكذا، فالأعمال الصالحة سببٌ للسعادة في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: {جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الواقعة: 24] وأن ذلك من فضله سبحانه وتوفيقه، لأنه من هداية التوفيق، كل عملٍ صالحٍ سواء كان من الأصل الإسلام أو الإيمان أو الإحسان وما يتفرع عن هذه المراتب الثلاث، إنما هو بتوفيق الله جل وعلا على عبده، كما في الصحيح: «ليس أحدٌ منكم يدخل الجنة بعمله» . يعني باء السببية هنا وإنما برحمة الله تعالى، وأما المراتب والدرجات في الجنة فتكون بسبب الأعمال، يعني تفاوت الناس في الأعمال، «ليس أحدٌ منكم يدخل الجنة بعمله» . قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» . وفيها أيضًا وجوب إفراده سبحانه بالمحبة فإن محبته سبحانه وتعالى هي أصل دين الإسلام فبكمالها يكمل دين العبد وبنقصها ينقص. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد ُعِلمَ أن العبادة إنما تنبني على ثلاثة أصول الخوف والرجاء والمحبة - واشتملت عليها الفاتحة - وكلٌ منها فرضٌ لازم، والجمع بين الثلاثة حتمٌ واجب. يعني فرض عين، ولهذا كان السلف يذمون من تعبد بواحدٍ منها دون الآخر. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

قال المصنف: (وَقَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: 4] ) ، ( {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ} ) جميعها أتى بها بصيغة الفعل دل على ماذا؟ على أنها من الصفات المتعلقة بالمشيئة، يعني قلنا: كل ما تعلق بالمشيئة فهو فعليٌ، كل ما تعلق بالمشيئة فهو صفةٌ فعلية ( {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ} ) أي يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم في إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى. قوله: ( {صَفًّا} ) أي يصفون أنفسهم عند القتال صفًّا ولا يزولون عن أماكنهم ( {كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} ) قد رُصَّ بعضه ببعضٍ أي ألزق بعضه ببعضٍ وأحكم، وليس فيه فرجةٌ ولا خلل.

أفادت هذه الآية كسابقها، أفادت:

أولًا: فضل الجهاد في سبيل الله والحث عليه.

وأفادت الندب إلى الصفوف في القتال.

وأفادت إثبات المحبة لله سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت