قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] ) . مفرد هنا ( {وَأَلْقَيْتُ} ) الخطاب لموسى عليه الصلاة والسلام، ( {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} ) أي أن الله تعالى أحبه وحَبَّبَهُ إلى خلقه كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ... ( {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} ) الصنع جعل الشيء على صفةٍ معينة تَصْنَع تُصْنَع، الصُّنع جعل الشيء على صفةٍ معينة، وصُنْع كل شيء بحسبه، صُنع الخشب بحسبه، صُنع الحديد بحسبه، صُنع البشر بحسبه فيختلف، وصُنع الآدمي معناه التربية البدنية والعقلية، تربيته البدنية بالغذاء، وترتبيه العقلية بالآداب والأخلاق وما أشبه ذلك، وموسى عليه الصلاة والسلام حصل له ذلك، ( {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} ) فإنه رُبِّي على عين الله كما هو معلوم من قصته، والمعنى أن الله أحب موسى وحببه إلى خلقه ورباه بمرأى منه سبحانه، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والفرق بين قوله: ( {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} ) . وقوله: ( {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} ) . لأنه عَدَّى الأول قال: ( {عَلَى عَيْنِي} ) . قال الثاني: ( {بِأَعْيُنِنَا} ) . هل ثَمَّ فرق؟ نقول: نعم، الباء هنا قلنا: للمصاحبة، وعلى تفيد ماذا؟ تفيد العلو والاستعلاء، إذًا لا بد من معنى يتعلق بهذين الحرفين، يقول ابن القيم الآية الأولى: ( {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} ) وردت في إظهار أمرٍ كان خفيًّا، لأن موسى كان يُرَبَّى على الخفاء، أليس كذلك؟ كان الذكر سنةً يُقتل وسنةً لا يقتل، قال هنا: وردت في إظهار أمرٍ كان خفيًّا وإبداء ما كان مكتومًا فإن الأطفال إذ ذاك كان يتغذون ويصنعون سرًّا، فلما أراد أن يصنع موسى ويُغَذَّى ويُرَبَّى على حال أمن وظهور دخلت ( {عَلَى} ) في اللفظ تنبيهًا على المعنى، لأنها تعطي الاستعلاء، والاستعلاء ظهور وإبداء. وكأنه يقول وتصنع على أمنٍ لا تحت خوف، وذكر العين لتضمنها معنى الرعاية والكلاءة، قال: وأما قوله ... ( {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} ) فإنه يريد برعاية منا وحفظٍ، ولا يريد إبداء شيءٍ ولا إظهاره بعد كتمٍ فلم يحتج بالكلام إلى معنى (على) بخلاف ما تقدم. انتهى.
وهذا بحثٌ ليس في إثبات صفة العين، وإنما في متعلق العين، وفي هذه الآية الكريمة إثبات محبة الله سبحانه وتعالى لعبده موسى وتحبيبه لخلقه، وفيها عناية الله سبحانه وتعالى بعبده موسى وتربيته على مرأى منه، وهذه عنايةٌ خاصة بموسى عليه السلام، وهي معيةٌ خاصةٌ بعبده موسى تقتضي حفظه وكلاءته وعنايته.
وفي هذه الآيات إثبات صفة العينين لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته، عينين جاء أعين وجاء عينه لم يأتِ التثنية في القرآن، أليس كذلك؟ وإنما جاء في السنة، وهذا يجري على سَنَنِ وقواعد أهل السنة والجماعة أن ما أثبه النبي - صلى الله عليه وسلم - للباري جل وعلا من صفةٍ فهو كما لو أثبته الباري في القرآن لا فرق، فما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ نقول: هذا من ما يُثبت لله عز وجل.