الصفحة 465 من 883

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] . وقولِهِ: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 50] ) .

قوله: ( {وَمَكَرُواْ} ) . أي كفار بني إسرائيل حين أرادوا قتل عيسى وصلبه، والمكر [فعل الشيء يراد به ضده] ، فعل شيءٍ يراد به ضدُّهُ، وحقيقته إظهار أمرٍ وإخفاء خلافه لِيُتَوَصَّلَ إلى مراده، هكذا عرفه ابن القيم رحمه الله تعالى، إظهار أمرٍ وإخفاء خلافه لِيُتَوَصَّلَ به إلى مراده، يعني التوصل بالأسباب الخفيّة إلى الإيقاع بخصمه، لأن المكر والكيد يكون في مقابلة من؟ أولياء الله؟ لا، إنما هم الأعداء، إذًا يتوصل بأسبابٍ خفيّة إلى إيقاعه بالخصم، تفعل أسبابًا خفية فتوقع بخصمك وهو لا يشعر ولا يدري، ولكنها بالنسبة لك معلومةٌ مدبرة، قوله: ( {وَمَكَرَ اللهُ} ) . بأن رفع عيسى إلى السماء، وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قُتِل، وهذا المكر هنا، فهذه الآية نزلت في عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، مكر به اليهود ليقتلوه، يعني دبروا له مكيدة، ولكن كان الله تعالى أعظم منهم مكرًا {رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158] وألقى شبهه على أحدهم، على الذي أراد أن يقتله، فلما دخل عليه هذا الذي يريد قتله، فإذا عيسى قد رُفِعَ، فدخل الناس فقالوا: أنت عيسى؟ قال: لستُ عيسى. فقالوا: أنت هو. لأن الله تعالى ألقى عليه شبهه فقتل هذا الرجل، أراد أن يقتل عيسى عليه السلام، فَقُتِل هذا الرجل الذي كان يريد أن يقتل عيسى ابن مريم فكان مكره عائدًا عليه كما رُوِيَ ذلك.

( {وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ) أي أقوى الماكرين وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقَب، وألطفهم وأخفاهم مكرًا.

وقوله: ( {وَمَكَرُوا مَكْرًا} ) . الآية الثانية ( {وَمَكَرُوا مَكْرًا} ) ، أي دبروا أمرهم على قتل صالحٍ عليه السلام وأهله على وجه الْخُفْيَة حتى من قومهم خوفًا من أوليائهم، ( {وَمَكَرْنَا مَكْرًا} ) المقابل، أي بنصر نبينا صالحٍ عليه السلام وإهلاك قومه المكذبين، هذا في قوم صالح كان في المدينة التي كان يدعو الناس فيها إلى الله، {تِسْعَةُ رَهْطٍ} أي أنفار {تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} يعني نقتله ماذا؟ البيتوتة ليلًا، {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل: 49] ، يعني أنهم قتلوه بالليل فما يشاهدونه، ما رَأَوْهُ، لكن مكروا ومكر الله قبل أن يفعلوا ما أرادوه. قيل: إنهم لما خرجوا ليقتلوه لجئوا إلى غارٍ ينتظرون الليل انطبق عليهم الغار، فهلكوا وصالحٌ وأهله لم يمسهم سوء، إذًا أرادوا الكيد بصالحٍ، حينئذٍ قتلوا في هذا الغار كما قيل.

و ( {مَكْرًا} ) في الموضعين منكرٌ للتعظيم، أي مكروا مكرًا عظيمًا، ومكرنا مكرًا عظيمًا، هذه الآيات فيها التحذير من الأمن من مكر الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت