قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) ، (أَشْهَدُ) يقال فيه ما قيل في الكلمة السابقة. قوله: (مُحَمَّدًا) ، (أَنَّ مُحَمَّدًا) هذا مؤكد من باب التأكيد، و (مُحَمَّدًا) هذا أحد أسمائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قيل: سُمِّيَ به لكثرة خصاله الحميدة، وهو اسمه الذي في التوراة. وأما اسمه أحمد فهو الذي بشر به المسيح عليه السلام كما قال سبحانه وتعالى: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} .. الآية [الصف: 6] ، قوله: (عَبْدُهُ) أضافه إليه (عَبْدُهُ) من باب التشريف، إضافة تشريفٍ وتعظيم، ووصفه بالعبودية بأشرف أحواله، في أشرف أحواله، مقام الإرشاد والإصرار والتحدي كما هو مشهورٌ في موضعه، ومعنى العبد هنا المملوك العابد (عَبْدُهُ) أي المملوك العابد، والعبودية الخاصة وصفه - صلى الله عليه وسلم - كما قال سبحانه وتعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] . وأعلى مراتب العبد العبودية الخاصة والرسالة، لذلك جمع بينهما هنا قال: (عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) يعني: عبوديةً خاصة وزيد عليها الرسالة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أكمل الخلق في هاتين الصفتين الشريفتين، وأما الربوبية والألوهية فهما حقٌ لله تعالى لا يشركه فيهما أحدٌ البتة لا ملكٌ مقرب ولا نبيٌ مرسل، فضلًا عن غيرهما. وفي قوله: (عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) إشارة إلى الرد على طائفتين أهل الإفراط والتفريط (عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) ، أهل الإفراط الذي غلو فيه ورفعوه عن منزلته وارتكبوا ما نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الغلو فيه. وأهل التفريط الذين يشهدون أنه رسول الله حقًّا وهم مع ذلك قد نبذوا ما جاء به وراء ظهورهم واعتمدوا على الآراء المخالفة لما جاء به، فإن شهادة أن محمدًا رسول الله هذه لها لازم، وهي تقتضي الإيمان به - صلى الله عليه وسلم -، وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، فما أثبته وجب إثابته وما نفاه وجب نفيه، فشهادة أن محمدًا رسول الله كما تقتضي الإيمان به تقتضي الإيمان بجميع الرسل، لما بينهما من التلازم وكذلك الكتب التي جاءت بها الرسل. قال المصنف: (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تسليمًا مَزِيدًا) ، (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ) أي على نبينا محمدٍ السابق، صلاة الله على عبده هو ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى كما ذكره البخاري في صحيحه عن أبي العالية، وقيل: الرحمة، والصواب الأول لوجوه عديدة ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى في (( البدائع ) )، و (( جلاء الإفهام ) )أشهرها أن الرحمة تكون لكل أحد، ولذلك أجمع العلماء على أنه يجوز أن يقال: زيدٌ رحمه الله، واختلفوا في زيدٌ صلى الله عليه وسلم، صحيح؟ ولو كانت الرحمة أو الصلاة بمعنى الرحمة لما وقع خلافٌ في زيدٌ صلى الله عليه وسلم، واضح هذا؟ فلما اختلفوا في الصلاة على من هو غير نبيٍ، وأجمعوا على الدعاء له بالرحمة، دل على أن ثَمَّ فرقًا بينهما، وهذا يدل على أن الصلاة غير الرحمة، وأيضًا قال الله تعالى: {أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157] .