وهنا اختار رحمه الله تعالى أحسن التعاريف، وهو ما جاء في حديث ابن مسعود السابق وهو بيان الشرك الأكبر من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا شأن الحقائق الشرعية، الحقيقة الشرعية هي ما جاء اللفظ مفسرًا في الشرع، جاء لفظ الصلاة وبينها النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذًا الصلاة لها حقيقة شرعية، فلا مجال للاجتهاد فيها البتة، جاء لفظ الصوم وفسره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكيفية المعلومة، فلا مجال للاجتهاد فيه البتة كذلك الشأن في الشرك جاء من جهة الشرع وفسره الباري جل وعلا وكذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -.
القسم الثاني: ما هو من نوع الشرك الأصغر هذا فيه تنديد لكنه من جهة ماذا؟ بعض التنديد ليس على وجه الكمال، كقول الرجل: ما شاء الله وشئتَ، ولولا الله وأنتَ لم يكن كذا. والحلف بغير الله ونحو ذلك، وهذا كله مبسوط فيما يتعلق البحث في موضعه في (( كتاب التوحيد ) )كما في حديث ابن عباس أن رجلًا رضي الله تعالى عنهما أن رجلًا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله شئت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أجعلتني لله ندًّا؟ قل ما شاء الله وحده» . أخرجه النسائي وابن ماجة، «أجعلتني لله ندًّا» ؟ ليس هو كقوله: «أن تجعل لله ندًّا» . فرقٌ بينهما، لما سأل عن أيّ ذنب أعظم، قال: «أن تجعل لله ندًّا» . فالمراد به التنديد الكامل من كل وجه، وهذا ضابطه أن يصرف إلى ذلك الندّ بعضًا من أنواع العبادة فيقع في الشرك الأكبر، يعني أن يصرف للندّ شيئًا مما يُتَعَبّد ويُتَقَرّب به إلى الباري جل وعلا، هنا «أجعلتني لله ندًّا» ؟ لَمَّا قاله في مقابلة قول القائل: ما شاء الله وشئت. يعني سوى بينهما في اللفظ، بالواو التي تقتضي ماذا؟ تقتضي العطف، والواو التي للعطف ماذا؟ تقتضي مطلق الجمع، إذا كان كذلك لا يُسَوّى بين النبي - صلى الله عليه وسلم - في المشيئة وبين الباري جل وعلا، لكنها تنديد من بعض الوجوه، وليس فيه تنديد مطلق كامل، فلذلك قال: «أجعلتني لله ندًّا» ؟ يعني من بعض الوجوه لا من كل الوجوه، وهذا النص يرجح بأن الشرك الأصغر لا يُشترط فيه أن يأتي الشارع بإطلاق لفظ الشرك عليه كما قال بعضهم، يعني لا نعرّف الشرك الأصغر بأنه ما جاء تسميته في الشرع بأنه شركٌ أصغر، وقد قال به بعض أهل العلم، الشرك الأصغر فيه تعريفان، تعريف مشهور عند بعض المتأخرين، وهو ما جاء إطلاق لفظ الشرك عليه وليس فيه تنديد من كل وجه، حينئذٍ ما لم يرد فيه إطلاق لفظ الشرك عليه لا يسمى شركًا أصغر، والتعريف الآخر وهو مأخوذ من هذا النص أن كل ما فيه تنديد وليس تنديدًا مطلقًا فهو شركٌ أصغر، ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا ذكر العلة، قال: «أجعلتني لله ندًّا» ؟ كأنه قال: (لا تقل ما شاء الله وشئت) . لماذا؟ لأنه فيه تنديد من بعض الوجوه، وعلى ذلك كل ما فيه تنديد من بعض الوجوه نحكم عليه بأنه شرك أصغر ولا يشترط أن يأتي الشارع بلفظ أو بإطلاق اللفظ عليه.