الصفحة 490 من 883

قوله: ( {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} ) أي أنه ربكم وخالقكم وخالق كل شيء فهو المستحق للعبادة جل وعلا فكيف تجعلون له أندادًا، وقد علمتم أنه لا ندّ له يشاركه في فعله، وجملة ( {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} ) حاليّة، لا تجعلوا وأنتم تعلمون، لا تجعلوا الواو فاعل، وجملة ( {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} ) حال، وصاحب الحال هو الواو، وجملة وأنتم تعلمون حالية، وصاحب الحال الواو في قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ} والمفعول محذوفٌ أي: {أَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه لا ندّ له، والجملة الحالية هنا صفةٌ كاشفة، والصفة الكاشفة كالتعليل الحكمي - مر معنا مرارًا - فكأنه قال: لا تجعلوا لله أندادًا لماذا؟ لأنكم تعلمون أنه لا ندّ له، لا شبيه له، لا سمي له، لا نظير له، فإذا كنتم تعلمون ذلك فكيف تجعلونه فتخالفون علمكم، مخالفة العمل العلم مذمومةٌ، وهذه صفة سلبية وذلك من قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا} لأنه لا ندّ له لكمال صفاته.

إذًا ليس له ندٌّ، كما أنه ليس له سَمِيٌّ، كما أنه ليس مثله شيءٌ هذه كلها صفات سلبية والجامع فيها كلها لكمال صفاته جل وعلا.

في هذه الآية دليلٌ على أن معرفة الله تعالى والإقرار به فطريٌ ضروري، التوحيد الأصل فيه أنه على الفطرة، فطر الله عليه العباد كما في الحديث: «ما من مولودٍ إلى ويولد» ، «ما من مولودٍ» ، «مولودٍ» نكرة في سياق النفي ودخلت عليها من الزائدة فحينئذٍ أفادت التنصيص في العموم، إذًا كل مولودٍ لا يخرج عنه فردٌ واحد البتة، ما من مولودٍ سواء كان مولودٍ لمؤمن أو لكافر مطلقًا، ولو كان مولودًا ليهودي أو نصراني «ما من مولودٍ إلى ويولد على الفطرة» ، والفطرة هي الإسلام «فأبواه يهودانه» إذًا ولو كان مولودًا لكافرٍ «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» ، ولم يقل يمسلمانه لماذا؟ لأنه لو كان أبويه مسلمين لنشأ على الفطرة وهي الإسلام، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى يحتاج إلى نظرٍ تحصل به المعرفة، كما قال تعالى: {أَفِي اللهِ شَكٌّ} [إبراهيم: 10] أي: أيُشك في اللهِ حتى يطلب إقامة الدليل على وجوده؟ لا نحتاج الله تعالى هو خالق الكون وهو موجودٌ، وجوده واجب الوجود ولا يحتاج إلى دليل، لا تحتاج إلى أن نقول ما الدليل ولا أن ننظر ولا أن نبحث، لكن بعض الناس قد تفسد عنده الفطرة كأصحاب الكلام والفلاسفة ومن على شاكلتهم، حينئذٍ لو بحث ونظر يُستحب له النظر، ولذلك شيخ الإسلام في بعض المواضع قد يكون ذكره هنا أنه يرى أن النظر الذي هو من بدع الأشاعرة قال: قد يكون علاجًا لبعض من فسدت فطرته. حينئذٍ ينظر، يستحب له على جهة الخصوص، وأما أن يكون على جهة العموم فلا، نقول: هذا بدعة.

أول واجبٍ على العبيد ... معرفة الرحمن بالتوحيد

هذا هو أول واجبٍ، وأما النظر أو الشك أو القصد .. إلى آخره هذه بدعة لكن بُدِّعُوا على جهة القاعدة الكلية قد يحتاجه زيدٌ من الناس فحينئذٍ نقول له: يستحب لك لأن تنظر وتبحث وتستدل إذا نشأ على شيءٍ مما يخالف الفطرة.

{أَفِي اللهِ شَكٌّ} أي أيُشك في اللهِ حتى يطلب إقامة الدليل على وجوده؟ لا.

وأي دليلٍ أصح وأظهر من هذا المدلول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت