والأولى أن يقال: إجماع. الطريقة الأولى فنقول: هذه استوى هنا ... {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} بمعنى العلو والارتفاع، وهذا بإجماع السلف، لكن ضمن الفعل معنى القصد، ومعلوم أن التضمين في لسان العرب أن يُعدَّى الفعل يعني أن يلاحظ معنًى من المعاني استوى الأصل فيه بمعنى علا، وهنا بمعنى جاء ضمن معنى صَعِدَ، وصَعِدَ إلى، أليس كذلك؟ أو قصد إلى، صعد إلى يأتي بمعنين: قَصِدَ إلى، وصَعِدَ إلى فحينئذٍ قَصِدَ وصَعِدَ يُعَدَّى بـ (إلى) ، واستوى الأصل فيه أنه بمعنى العلو فيتعدَّى بـ (على) ، لكن إذا لوحظ فيه معنى فعلٍ آخر يَتَعَدَّى بغير ما تَعَدَّى به الفعل الملفوف حينئذٍ لنا نظران:
-ننظر إلى الفعل فنقول: ضُمِّنَ معنى ذاك الفعل الذي لم يلفظ به وهو القصد والصعود مثلًا. ويُعَدَّى من حيث اللفظ ما يُعَدَّى به ذلك الفعل الذي لم يلفظ به فنترك ما يُعَدَّى به استوى، لا نقول: استوى على، نُسقط على، ونأتي بما ضمن الفعل ذلك المعنى الذي لم يلفظ في اللسان، حينئذٍ نقول: استوى الأصل فيه أنه بمعنى العلو، وضُمِّنَ معنى القصد والصعود، لماذا؟ لأنه عُدِّيَ بـ (إلى) فلما نظرنا إلى (إلى) قلنا: الأصل في الاستواء أنه بمعنى العلو ويَتَعَدَّى بـ (على) لكنه ما عُدِّيَ بـ (على) . نقول: عندنا تضمين. هذا التضمن هو إشراب اللفظ معنى ذلك الفعل، بمعنى أن يعتقد بقلبه ما دل عليه اللفظ أصالةً وهو العلو، والمعنى الذي لم يلفظ به، لكن الذي دل على ذلك القرينة اللفظية وهي الحرف، حينئذٍ نقول: هنا بمعنى العلو بإجماع السلف مع تضمين ما عُدِّي به معنى الفعل الذي عُدِّيَ به وهو قَصَدَ كما فَسَّرَهُ غير واحدٍ من السلف. وقيل: بل فيها خلافٌ بين المفسرين. يعني هذه الآية. منهم من قال: إن معناها كالْمُعَدَّاتِ بـ (على) وهو الذي قلنا أنه الطريقة الأولى، وهذا ظاهر تفسير ابن جرير رحمه الله تعالى فمعنى {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} أي ارتفع إليها مع القصد مع تضمين ماذا؟ القصد، لأنه عَدَّاهُ بـ (إلى) وحينئذٍ دل على معنيين:
-المعنى الخالص لـ {اسْتَوَى} في لسان العرب هو العلو، ثم زِيدَ عليه معنًى آخر لا يدل عليه اللفظ في أصالة كلام العرب وإنما من معنى لفظٍ آخر وهو معنى القصد والصعود فعُدِّيَ بـ (إلى) .
-ومنهم من قال: الاستواء هنا بمعنى القصد الكامل، فلا يُفسر بالعلو، ولكنه يفسر بماذا؟ بالقصد الكامل مع ملاحظة الأصل، فمعنى استوى إليها أي قصد إليها قصدًا كاملًا، وأَيَّدُوا تفسيرهم هذا بأنه عُدِّيَ بما يدل على هذا المعنى وهو (إلى) وهذا ما فسر به ابن كثير رحمه الله تعالى الآية.