وفي هذه الآية دليل على أن القرآن الذي هو سور وآيات وحروف وكلمات هو عين كلامه سبحانه حقًّا، [لا تأليفَ مَلَكٍ أو] لا تأليفُ مَلَكٍ ولا بشر وأن حروفه ومعانيه عين كلامه سبحانه الذي تكلم به، لأن لفظ الكلام يصدق على اللفظ والمعنى، يعني اسم له مُسَمَّى، الكلام هذا لفظ كما تقول: زيد. زيد هذا اسم، أليس كذلك؟ ينطق باللسان مسماه الذات نفسها الشخص نفسه هذا مسمى الاسم، حينئذٍ كلام هذا اسم له مسمى، ما مسماه اللفظ والمعنى معًا، ليس اللفظ دون المعنى هو الكلام، وليس المعنى دون اللفظ هو الكلام، فمن أطلق الكلام وأراد به اللفظ فقط دون المعنى فقد أخطأ وضل، ومن أطلق لفظ الكلام وأراد به المعنى دون اللفظ كذلك والعكس فقد أخطأ وأضل، بل الكلام اسم مسماه الحروف والمعاني معًا، فإطلاقه على أحد النوعيين هذا ضلال مبين، ولذلك قال هنا، وفي هذه الآية دليل على أن القرآن الذي هو سورٌ وآياتٌ وحروف وكلامات هو عين كلامه سبحانه حقًّا لا تأليف ملكٍ ولا بشرٍ، وأن حروفه ومعانيه عين كلامه سبحانه الذي تكلم به حقًّا وبلغه جبريل إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبلغه محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى الأمة، فالرسولين منه مجرد التبليغ والأداء لا الوضع والإنشاء، فجبريل مُبَلِّغ عن الله تعالى إلى محمد فهو واسطة، والذي بَلَّغُه كلام الله تعالى لا كلام جبريل، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - بلغ الأمة كلام الله تعالى، حينئذٍ الْمُبَلَّغ هو كلام الله، وتبليغ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا وصفٌ له عليه الصلاة والسلام، فإضافته إلى الرسول في قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} . لا يدل على الإنشاء، يعني في قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ} . هذا القرآن قول رسول، نقول: هذا له وجه حق وهو كونه ماذا؟ كونه مبلِّغًا ومؤديًّا، وأما حقيقة القول فإنما يُنسب إلى من أنشأ الكلام ابتداءً، حينئذٍ تكون الإضافة هنا إلى الرسول إضافة تبليغ وأداء لا إضافة وضع وإنشاء، لا كما يقول أهل الزيغ والافتراء.
وفيه دليل على أن القرآن كلام الله وأنه يُسمع وأنه غير مخلوق.
وفيها الرد على من زعم أنه مخلوق أو أنه كلام بشر أو ملك أو غير ذلك. وفيها أن من زعم أنه كلام غير الله فقد كفر، كفر مرتد عن الإسلام، أو زعم أنه مخلوق فقد كفر، هذان قولان. لو قال بأنه قول البشر كَفَّرَهُ الله تعالى كما في سورة المدثر.
ومن قال بأنه مخلوق حينئذٍ نفى الخلق والأمر كما سبق، فحينئذٍ يكون كافرًا مرتدًا عن الإسلام. هذا تقعيد عام.