وفيها دليلٌ على إثبات صفة الكلام لله، وأنه يتكلم وأن القرآن كلامه جل وعلا وفيها دليلٌ على أن الكلام إنما يُنْسَبُ إلى من قاله ابتداءً لا إلى من قاله مبلِّغًا مُؤَدِّيًا، فإن العرب سمعت حرف وصوت محمد - صلى الله عليه وسلم -، لكن الكلام إنما يُنْسَبُ إلى من؟ إلى الباري جل وعلا، فالذي ابتدأه أولًا وأنشأه فالكلام كلامه، وأما محمد - صلى الله عليه وسلم - وجبريل ومن تلا كلام الله تعالى فهو مُبَلِّغٌ فلا ينسب الكلام إليه، لما قال أبو بكر تلا قوله تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 1، 2] . التالي أبو بكر والصوت صوته واللفظ لفظه، لكنما الْمَتْلُوّ والملفوظ هو قول الباري جل وعلا، حينئذٍ يُنسب إلى من قاله ابتداءً لا إلى من قاله واسطةً وتبليغًا، فالكلام إنما يُنسب إلى من قاله ابتداءً لا إلى من قاله مبلِّغًا مؤديًّا فإن القارئ يُبَلِّغُ كلام الله، وكلامه سبحانه صفةٌ من صفاته غير مخلوق، وهذا محل إجماع، ومن ادَّعَى بأن كلام الله تعالى مخلوق فهو كافر، وأما صوت القارئ وكذا المداد والورق فهي مخلوقة لهذه الآية ولحديث «بيِّنُوا القرآن بأصواتكم» . أضاف القرآن ماذا قال؟ «بيِّنُوا» أو «زيِّنُوا» كما في بعض الروايات، قال: «بأصواتكم» . أضاف الأصوات إلى من؟ إلى القارئ نفسه، فالصوت صوته، لكنما المتلو هو قول الباري جل وعلا، فبين أن الأصوات التي يقرأ بها القرآن أصواتنا، والقرآن كلام الله، فالقرآن كلام الباري والصوت صوت القاري، وهذا واضح بَيِّن.