إلى أن يسمع حتى للغاية أي حتى يسمع القرآن مُبَلَّغًا إليه من قارئه. قال الشوكاني: ويتدبره حق تدبرهِ ويقف على حقيقة ما تدعو إليه وهذا ليس بشرطٍ، وإنما المراد سماع القرآن فحسب، وأما فهم الحجة هذا ليس بشرط، وإقامة الحجة لا يستلزم فهم الحجة، وإنما المراد به ماذا؟ بلوغ القرآن إليه، فإذا بلغه القرآن فحينئذٍ أقامت أو قامت عليه الحجة، وأما فهم الحجة فليس بلازمٍ، والقناعة من بابٍ أولى وأحرى (إلا أقتنع) ليس عندنا هذا في الشرع قال: ( {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} ) أي حتى يسمع القرآن مُبَلَّغًا إليه من قارئه ( {كَلَامَ اللَّهِ} ) هنا أضاف. أضاف الكلام إلى نفسه ( {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} ) وما الذي يسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس ثَمَّ إلا القرآن فدل ذلك على أن القرآن من كلام الله، أو إن شئت قل في هذا الموضع: القرآن كلام الله.
قوله: ( {كَلَامَ اللَّهِ} ) بالنصب ( {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} ) أضاف الكلام إلى نفسه فدل هذا على أن القرآن كلام الله وهو كذلك، كما قال أبو بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه حين قرأ على قريش {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 1، 2] فقالوا: هذا كلامك أو كلام صاحبك؟ من أين جئت بهذا {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ} هذا كلامك أنت من عندك أنت أم كلام صاحبك يعني: النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال ليس بكلامي ولا بكلام صاحبي، حقٌ؟ جوابٌ صحيح. ولكنه كلام الله. وفي سنن أبي داود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول «ألا رجلٌ يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي» وليس عنده إلا قرآن، فَدَلَّ ذلك على ماذا؟ على أن القرآن كلام الله تعالى «ألا رجلٌ يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي» فَبَيَّنَ أن ما يُبَلِّغُهُ ويتلوه هو كلام الله تعالى لا كلامه هو عليه الصلاة والسلام.
وفي الآية دليلٌ على أنه إذا أستأمن مشركٌ ليسمع القرآن وجب تأمينه، ولذلك قلنا ( {فَأَجِرْهُ} ) هذا أمر والأمر يقتضي الوجوبَ، وَجَبَ تَأْمينه لِيُعَلَّمَ دين الله وتنتشر الدعوة.
ومنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُعْطِي الأمان لمن جاءه مسترشدًا أو في رسالةٍ يعني: طلب أن يَتَّقِي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الحديبية جماعةٌ من قريشٍ وكذلك من قَدِم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالةٍ أو تجارةٍ أو طلب صلحٍ أو مهادنةٍ أو حمل جزيةٍ أو طلب من الإمام أو نائبه أُعْطِي أمانًا، كل من دخل إلى بلاد المسلمين ودخل بإذن الإمام فهو ماذا؟ فهو مُأَمَّن. ومنه التأشيرات التي تُعْطَى الآن هذا لا يجوز لأنه يكون معاهدًا، أعطي أمانًا ما دام مترددًا في دار الإسلام حتى يرجع إلى مأمنه ووطنه.